منجي الزيدي: هل يعيش مجتمعنا أزمة قيم؟

منجي الزيدي: هل يعيش مجتمعنا أزمة قيم؟

هل يعيش مجتمعنا أزمة قيم؟ سؤال يتردّد في أغلب الأوساط الاجتماعيّة، ومَرَدُّه انتشار الكثير من الظّواهر السلبيّة متفاوتة الخطورة. جميعنا منشغلون بحوادث المجتمع. تصدمنا قدرة البعض على إيذاء أقرب النّاس إليهم. ويدهشنا «تفنّن» البعض الآخر في أسالب الغشّ و الخداع. ونتعجّب من درجة العدوانية في التّعامل بين الأفراد، وينتابنا السّخط على الذين لا يُوقِّرون كبيرًا ولا يرحمون صغيرًا...  كلّنا ننتقد مظاهر انتهاك القانون والاستهتار بقواعد السّلوك الاجتماعيّ وشروط العيش المشترك. ونُردّد بصوت واحد ذلك السّؤال الحائر: إلى أين نحن ذاهبون؟ «البلاد دخلت في حيط»!

الواقع أنّ هذه الظّواهر ليست حكرا على مجتمعنا بل هي منتشرة في كلّ المجتمعات. ولكن الإشكال يكمن في ارتفاع معدّلاتها وتغيّر أشكالها، واختراقها للنّسيج الاجتماعيّ بمختلف فئاته ومستوياته، وبلوغها درجات عالية من العنف غير مسبوقة، حتى بدا للبعض أنّنا نشهد العجب العُجاب في السّنوات الأخيرة.

يجمع الكثيرون على أنّ السّبب الرئيسيّ في كل هذا هو تراجع القيم إن لم نقل انعدامها. وهو تفسير شائع في الحسّ المشترك، كما أنّه موضوع انشغال علميّ. ففـــي السّنــــوات الأخيرة  وضــع عـــالم الاجتمــاع الفرنسيّ (Raymond Boudon) كتـــابا جاء عنــوانه في صيغــــة سؤال:

Déclin de la morale? Déclin des valeurs؛ حلّل فيـــه مـا أفضـــت إليه بعـــض الدّراسات الميدانيّة والإحصائيّة الغــربيّة والدوليّة حــول هـــذا الموضـــوع، مُبـــرزا انشغــال علمـاء الاجتماع وتشاؤمهم من تدهور حال القيم وتراجع الأخلاق.

وقد صـــحّ أنّ مـــوضــوع القيم موضــوع فلسفــيّ شائـك. وتعـــريفــها صعـــب لصبغتها المُجرّدة. ولــئن كــان هنالك اتّفـــاق في الثّقافات والأديان والشّرائع على قيـــم تُعتبر أساسيّة كالخير والصّدق والعدل... فإنّ القيم ليست ثابتة ومطلقة لأنّها ترتبط بطبيعة المجتمع  الذي يتبنّاها أو ينبذها. كما أنّها متحوّلة عبر الزّمن وتَبَدُّل أحوال البشر. وهي أيضـا متفاوتة ومتنوّعة. لذلك يستخــدم علــم الاجتماع مصطلح «منظومة القيــــم» ليبـــرز تـرابـطهـا وتقـاطعهـا، و«سُلّم القيم» لتصنيفهــا وترتيبها، و«حكـم القيمة» Jugement de valeur ليُمَيِّز بيـــن الـــقيمـــة كمبدإ مجرّد، وبين توظيفها في تقييم معياريّ قد تعـــوزه الموضـــوعيّة. وهذه مفاهيم تؤكّد ضرورة الفحص العلميّ للظواهر قبل إصدار التّعميمات والأحكام بشأنها.

ومهما يكن من أمر، فمن أهمّ العوامل التي تركّز عليهــا المقــاربات الاجتماعيّة والنفسيّة لموضوع تراجع القيم عوامل التحوّلات البنيويّة والوظيفيّة التي شهــدتها مؤسّسات التّنشئة الاجتماعيّة، فضلا عن تَغيُّر أنماط العيـــش وارتفاع درجات الضّغط والتّعرض للمخاطر، زائد التّأثيرات الواضحة للوسائط الجديدة وبخاصّة منها شبكــات التّواصــل الاجتمــاعيّ...

من هذه الوجهة تبدو التّغيرات التي طالت مؤسّسة الأسرة عاملا مُفسّرا أساســـيا. فهي تواجه رياح التغيير العاتية. وتتضـــاءل باطِّرَادٍ  قدرتها على الضبط الاجتماعي. وينزاح موقعها في نسق التّنشئة الاجتماعيّة والثقافيّة بوتيرة سريعة، لتحلّ محلّهـــا مؤسّسات أخرى تنازعها مكانتها في تناقل المعارف والقيم والعادات والتّقاليـــد وتوجيـــه النّاشـــئة واحتضانهم. فجماعات الأقران تكتسب قوّة تأثير متعاظمة في الأطفـــال والمراهقيـــن؛ وهي تنتج ثقافة فرعيّـــة خصوصيّة تتعــارض مع القيم السّائدة وتفـــرض شيئـــا فشيئـا قيما جديدة. هذه الثّقافة الفرعيّة لا تُمثّل مشكلا في حدّ ذاتها ولكنّها تصبح مصــدر قلق إذا جنحـت نحو ترسيخ سلـــوكات غير سويّة.

كما تعيش المؤسّسة التعليميّة أزمة عميقة. فرغم انتشار التّعليم وتعدّد مصادر التّحصيل المعرفيّ فإنّنا نشهد اليوم تراجعا ملحوظا في مستوى التّلاميذ والطّلبة يعكــس بالضّرورة مستوى القائمين على تدريسهم ونوعيّة المناهج المعتمدة. أضف إلى ذلك الضّرر الذي أصاب مكانة المدرّسين وصورتهم وافتقادهم لرمزيتهم وسلطتهــم المعنويّــة وضمـــور وظيفتهــم التربويّة.

وليس بخافٍ تعاظم تأثير المواقع الالكترونيّة وشبكات التّواصل الاجتماعيّ التي أضحت مصدرا أساسيًّا للمعرفة والأخبار والتسلية. وهي تشهد انفتاحا لا مثيل له دون ضوابط أو محاذير. في الوقت الذي لم يتسلّح فيه المجتمع بما يكفي من الثّقافة والوعي. ولئن لم نعد بحاجة لمقصّ رقيبٍ أو مفتاح «عمار 404» ليُحكِم إغلاق الأبواب والنوافذ، فإنّنا بحاجة إلى غربال النّقد.

وبالتالي فإنّه من أوكد واجبات مؤسّسات التّنشئة أن تنهـــض بمسؤولياتها في التربيّة على حســـن استخـدام الشّبكـة الالكترونيّة، وعلى الأولياء التّحـــلي باليقظة، ففي غفلة منهم تختطف مواقع التّطرف أبناءهم، ويفــترس «الحــوت الأزرق» فلــذات أكــبـادهم، وتُفسد مواقع الجنس الرّخيص التّوازن النفسيّ لذرّيتهــم وتزرع في شخصياتهم خيالا مريضا و تمثّلات جنسيّة مشوّهة.

كمــا لم تدرك أكثــر القنـــوات التّلفزيونيّة لدينا خطورة المضامين التي تروِّجها. ولم تَـعِ أنّ لها دورا تربويا إذا أغفلته فإنّها تنحدر إلى ما يسمّى «تلفزيون نفـايـات» Rush Tv. ذلك أنّ «نقــل الواقع كما هـــو» ســلاح ذو حدين، وقد يصبح كلمة حـقّ يراد بهـــا باطل.

فبرامج الفضائح الاجتماعيّة تحتلّ صــدارة البرمجة وتستحوذ على أوقات الذّروة في المشاهدة، في حين اندثرت برامـــج التّثقيف والتّوعية والتّربية، وإن وجدت فإنّها تُبثّ في الهزيع الثاني من الليل بأسلوب رتيب مُمِلٍّ لا يستهوي أحدا.

والأدهى والأَمَرُّ هو انخراط البعض ممّن يُنسَبُون للنّخبة في «حملة» تدمير الرأسمال الرمزيّ للمجتمع، والحال أنّهم مسؤولون عن تحصينه. هناك هَوَسٌ بالظّهور الإعلاميّ الاستعراضيّ لدى من يسمّيهم (Bourdieu) «المفكّرون بسرعة»  (Fast thinkers)، جعل هذا الرّهط من المثقّفين يشاركون، بوعي أو بغير وعي، في الحطّ من مكانة الفكر والعلم لصالح الفرجة الجماهيريّة المبتـــذلة..لا بل أكثر من ذلك، تخلّيهم عـــن واجــب الموضوعيّة والأمانة المعرفيّة ووضع أنفسهم تحت تصرّف «أصحاب المصلحة» زمن الشّدة الوجوديّة.

مجتمعــنا بحـــاجة إلى حـــركة إصـــلاحيّة جديدة تؤسّس لمشروع مجتمعيّ جــديد. وهي مسؤولية الجميع و واجب النّخــب بدرجة أولى. إنّنا بحـــاجة إلى عـــودة الوعـــي بالمسألة الاجتماعيّة في بعـــدهـــا القيميّ والأخلاقيّ، والحدّ من هيمنة السّياسة على كلّ مجالات الحياة... إذ السّياسة والأخلاق لا تجتمعان دائما.

منجي الزيدي

أستاذ تعليم عال بجامعة تونس

هل أعجبك هذا المقال ؟ شارك مع أصدقائك ! شارك
أضف تعليق على هذا المقال
0 تعليق
X

Fly-out sidebar

This is an optional, fully widgetized sidebar. Show your latest posts, comments, etc. As is the rest of the menu, the sidebar too is fully color customizable.