أخبار - 2018.04.10

توفيق بن عامر: كــيف نتدبّـر القـرآن؟

توفيق بن عامر: كــيف نتــدبّـــر القـرآن؟

إنّ معنى التدبّر هو التأمّل والتفكّر والتفهّم. وتدبّر الأمر أي فكّر في عواقبه واستخلص منه العبرة والمغزى والمقصد البعيد والخفي. وتدبّر الخطاب هو عدم الوقوف عند ظاهره والتماس معناه العميق والاعتبار حتى بالمسكوت عنه . والتدبّر مصطلح قرآني ورد في عدة آيات كقوله تعالى « أفلا يتدبّرون القرآن أم على قلوب أقفالها » (محمد – 24 ) وقوله « افلا يتدبرون القران ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا » (النساء – 82 ) وغير ذلك من الآيات . كما ورد معنى التدبّر بصيغ قرآنية أخرى مثل التفكّر والإدّكار والاستنباط كقوله تعالى « ولقد يسّرنا القران للذّكر فهل من مدّكر » (القمر – 17 ) وقوله « إنّ في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب. الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكّرون في خلق السماوات والأرض ربّنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار » (آل عمران – 190 -191 ). وكذلك قوله « وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردّوه إلى الرسول وأولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضْل الله عليكم ورحمته لاتّبعتم الشيطان إلاّ قليلا » (النساء – 83).

من هنا ندرك الفرق بين قراءة التعبّد وقراءة التدبّر وإن كانت إحداهما لاتلغي الأخرى كما نفهم الفرق بين التدبّر والتفسير بالرغم من وجود علاقة بينهما وهو الفرق نفسه بين المعنى والفهم بالرغم من حاجة أحدهما إلى الآخر . فالتدبر بهذا المعنى هو الفهم العميق لمقاصد الخطاب والدلالة الخفيّة لوجود الكائنات . وللتدبّر أهميته ووظيفته ومنهجه وتكمن أهميته في اعتباره الغاية من التنزيل وفي وجوبه شرعا وفق قوله تعالى: «كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبّروا آياته وليتذكّر أولو الألباب». وتتمثّل وظيفته في فسح المجال لاستنباط أسرار التنزيل ورصد قيمه وحكمه وفي التاثير في الإيمان بترسيخه وتثبيته وفي بيان كيفية العمل به على النهج الصحيح.

ولابدّ للتدبّر من منهج واضح ومنتظم ومتماسك مع العلم بتعدّد مناهج التدبّر وتنوّعها قديما وحديثا وذلك وفق اجتهاد كل متدبّر وحسب مستواه العلمي وظرفه الزماني وبيئته الثقافية وبناء عليه لا وجود لمنهج ملزم في حدّ ذاته إذ لا التزام إلا بالحدّ الأدنى المشترك من أدوات التدبّر المعرفية ووسائله العلمية التي بدونها يتعذّر الفهم السليم . لذلك كان لزاما علينا في هذا العرض أن نكتفي بالإشارة إلى بعض المبادئ التي لا غنى عنها بالنسبة إلى كلّ عملية تدبّر دون أن ندّعي التفرّد بمنهج مخصوص أو إلزام غيرنا به فعملنا على سوق تلك المبادئ في شكل مصادرات أو فرضيات يجتهد المتدبّر في اعتبارها منطلقات لممارسة نشاطه وبناء عمله وفق تصوّره الخاصّ.

المصادرة الأولى

تتعلّق المصادرة الأولى باعتبار كلّ خطاب لغوي قابلا للتأويل مهما كان ذلك الخطاب بسيطا ويمكن ضرب مثال على ذلك بعبــــارة «أخرج يا فتى» التي تتعدّد دلالاتها رغم وضوح معناها وبساطته إذ يمكن أن تتضمّن معنى الطرد كما يمكن أن تدلّ على معنى الإنقاذ والنجدة وبالإمكان أن تتضمّن أيضا معنى النصيحة . هذا فضلا عن أنّ عبارة       « أخرج يا فتى » قد تختلف في الدلالة عن عبارة «يا فتى أخرج» التي قد تعني التوسّل للمخاطب بالخروج وفي ذلك دليل على أنّ التاويل للخطاب متعدّد ومتنوّع .

ونلاحظ مع ذلك أنّ جميع استعمالات تلك العبارة تشترك في معنى الخروج الذي يمثّل الدلالة الرئيسية والتي هي في هذا السياق بمثابة « المعنى النواة » بينما الدلالات الأخرى هي دلالات تكميلية لبيان الكيفية أو الغاية إلاّ أنّها بالرّغم من كونها تكميلية تعتبر ضرورية لعمليّة الفهم . فالمعاني الحافّة بالمعنى النواة قد تشكّلها الصياغة اللفظية كما يشكّلها المقام الذي يجري فيه الخطاب وتزداد تلك المعاني تنوّعا بلهجة الخطاب لاسيّما إذا كان شفاهيا لأنّ الخطاب المكتوب قد يفتقر إلى بعض العلامات الدالّة على تلك اللهجة .

ولا بدّ من لفت اهتمام المتدبّر في هذا السياق إلى أنّ الخطاب القرآني هو في الأصل خطاب شفاهي لكن من المحتمل أن تكون بعض تلك الملابسات الشفوية قد وقع طمسها بالكتابة ويبقى بإمكان المتدبّر مع ذلك إدراك أهمّ تلك الدلالات الحافّة عبر السياق . وهنا يحتاج المتدبّر إلى مصادرة ثانية.

المصادرة الثّانية

ونعني بها الإقرار بأنّ للسياق وظيفة دلالية في بناء المعنى وأنّ الخطاب له عدّة سياقات تتعدّد دلالاته بتعددها ولذلك يتعيّن تنزيله فيها لإدراك المعنى في كلّ أبعاده. ولعلّ أوّل عملية من هذا القبيل تواجه المتدبّر هي:

1 - تنزيل الخطاب في سياقه اللغوي

ونعني بذلك تنزيله في سياق لغة العرب لأنه نزل بلسان عربي مبين ولايمكن فهمه دون إلمام بتلك اللغة كما أصطلح عليه قومها وبمختلف وجوه الاستعمال التي تداولــوها بينهم. بـــل ولا يمكن فهمها أحيانا إلاّ بمقاربة دلالاتها في زمن التنزيل وقد يحتاج ذلك الفهم أحيانا أخرى إلى رصد علاقة لغة العرب ولهجاتهم أيضا باللغات المعاصرة لها كالسريانية وغيرها لما بين تلك اللغات من اقتباس وتأثّر وتأثير. فإذا استوى ذلك للمتدبّر وأتيح له الوقوف على أصول الاستعمال اللغوي كان عليه إثر ذلك أن يجتهد في التمييز بين المعنى اللغوي للعبارة القرانية ومعناها الإصطلاحي أي بين دلالة الكلمة في أصل الوضع ودلالتها في الوضع الشرعي. ليدرك بذلك الرسالة المضمّنة في الخطاب القرآني.

2 – تنزيل الخطاب في السياق النصّي

فإذا تجاوزنا في تدبّرنا اللفظ أو العبارة بإدراجهما في سياقهما اللغوي المناسب تعيّن الاهتمام بموقعهما في سياق النصّ لأنهما يمثّلان جزءا لا يتجزّا من ذلك السياق ومنه يستمدّان نوعية ما ينتجان من دلالة . وهكذا فاللفظة تفهم في سياق الجملة والجملة تفهم في سياق الآية والآية في سياق السورة باستقراء ما يتقدّمها وما يتلوها وتفهّم السورة في سياق النص القرآني كلّه . وذلك هو المقصود بالسياق النصّي . ولذلك السياق وظيفته في بناء الدلالة كما أوضحنا وهو الدائرة أو المجال الذي ينشط فيه فكر المتدبّر لمحاصرة المعنى وتشكيله وبلورته. ويتمثّل ذلك النشاط في الرّبط بين الجزء والكلّ ثم العودة من الكلّ إلى الجزء في حركة دائرية يدرك الفكر بمقتضاها أنّ الجزء لا يفهم إلاّ في ضوء الكلّ وأنّ الكلّ لا يفهم إلاّ انطلاقا من الجزء وتلك الحركة هي ما اصطلح عليه فلاسفة التأويلية الحديثة بالدائرة التأويلية.

وغنيّ عن البيان أنّ المتدبّر ليس بإمكانه ولا في طاقته استيعاب النص القرآني برمّته دفعة واحدة كما أنّ اكتفاءه بتدبّر أجزائه لا يكفل له الإحاطة بوحدته الموضوعية . فالتدبّر التسلسلي الذي يتتبّع القران آية آية كما فعل أغلب المفسّرين القدامى والمحدثين لا يفي بالحاجة ولا يمكن من إدراك جوهر الرسالة في وحدتها الموضوعية. فالأجدر انتهاج التدبّر الموضوعي الذيÙ
Ùيستقرئ الآيات المشتركة في موضوع بعينه وبعد استفراغ الجهد في استكناه أبعاده يقع استحضار العلاقات التي تصله وتشدّه إلى المواضيع القرآنية الأخرى للتمكّن مــن استخلاص المقصد الأسمى من الرسالة القرآنية.

3 – تـنزيـل الخـطاب في سيــاقه التـاريـخي

لكنّ السياق اللغوي والنصّي وحده لايكون كفيلا باستيعاب الدلالة الحقيقيـــة للخطاب ولا ينهض بمفرده بتمثّل غاياته وأهدافه وذلك لأنّه يبقى سياقا معزولا عن ظرفه الزماني والمكاني ومعلّق الدلالة في فضاء العموم فيفقد بذلك خصوصيته المعنوية التي تميّزه عن غيره من أنواع الخطاب وبناء على ذلك لايمكن التسليم بالقاعدة التي اعتمدها الأصوليون والقاضية بأنّ العبرة في الخطاب القرآني بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. بل إنّ العبرة هي بعكس ذلك أي بخصوص السبب لا بعموم اللفظ إلاّ في صورة تجرّد الخطاب من أسبابه وصياغته في شكل القواعد والمبادئ المطلقة.وحتّى في مثل هذه الصورة من الإطلاق لا يسعه التجرّد من قيد الغاية وعلّة الوجود. أضف الى ذلك أنّ في الخصوص    ما يمكن تعميمه وما لا يمكن والعقل المميّز هو الفيصل في ذلك الإمكان من عدمه.

واذا سلّمنا بذلك أيقنّا أنّ الدلالة لا تدرك في أبعادها الكاملة إلاّ بتنزيل الخطاب في سياقه التاريخي وهو ما حفّز العلماء القدامى ودعاهم إلى الاهتمام بأسباب النزول حتّى صنّفوها علما من علوم القرآن . وقد جنوا من ذلك عديد الفوائد سواء في استنباط الأحكام أو بيان عللها أو القياس عليها وما كان ليُتاح لهم ذلك دون الوقوف على الدلالة المستخلصة من الظروف التاريخية للخطاب القرآني. لكن اعتمادنا اليوم تراث علم أسباب النزول ينبغي أن يكون اعتماد نقد وتمحيص لتعدّد الروايات التي اعتمدت في تأسيسه واختلافها وربما تضاربها أحيانا كثيرة وهو ما تسبّب في اختلاف العلماء حول الدلالة في القضية الواحدة وذهاب بعضهم فيها من النقيض إلى النقيض.

هذا بالإضافة إلى ضروب من الخلط بين الأسباب المروية تاريخيا وغيرها من الأسباب المستوحاة من النصّ والتي هي مظنّة لاجتهاد المجتهد ولا يمكن القطع بهويتها التاريخية. كلّ تلك الشوائب تستوجب المزيد من التحرّي والنقد والتمحيص لتحقيق الاستفادة من ذلك التراث. وليس بخاف مع ذلك أنّ ذلك التراث يتّسم بشيء من المحدودية لأنّه لا يحيط بكلّ آيات التنزيل ولا يتعلّق في أحسن الأحوال بأكثر من خمسمائة آية ولا ذكر فيما عداها لأسباب النزول. فكيف العمل مع ما لاذكر فيه لتلك الأسباب؟

على المتدبّر في هذه الحالة أن يتذكّر أن كلّ خطاب لغوي هو بطبيعته مندرج في التاريخ. فبمجرّد اقتران المعنى والدلالة باللغة أصبح كلّ منهما قيد الزمان والمكان. وبناء على ذلك يحتاج المتدبّر أوّلا إلى استحضار تاريخ البيئة العربية زمن التنزيل بأهمّ خصائصها ومكوّناتها وثانيا إلى استحضار التاريخ الإقليمي للمنطقة كلّها في ذلك الزمن وثالثا إلى تمثّل التاريخ الكوني في تلك الفترة ذاتها، لأنّه في استدعائه وتمثّله واستحضاره لكلّ ذلك يحدّد للدلالة موقعها من منطق العصر وقيمتها الحضارية في مسار التاريخ . ونفهم من ذلك كلّه أنّ للسياق التاريخي وظيفته في تشكيل الدلالة ودوره في ضبط حدود المعنى بين الإطلاق والنسبية وفي الكشف عن علل الأحكام وفي رصد المطابقة بين المقال والمقام وفي الوقوف أخيرا على مقاصد الخطاب.

4 – تنزيل الخطاب في سياقه الديني

وإذا كان المتدبّر يعي باستمرار أنّه بصدد التفكّر في خطاب ديني أفضى به ذلك إلى الإيقان بأنّ تثمين الرسالة المضمّنة في ذلك الخطاب يستدعي استحضار تعاليم الأديان الإبراهيمية والأديان الكتابية وغير الكتابية وذلك بهدف عقد المقارنات الضرورية بين النص القرآني وغيره من النصوص الدينية . ولا يعني ذلك أن نقرأ القرآن في ضوء الرسالات الأخرى فننزلق بذلك فيما أنزلق فيه القدماء عند تعاملهم مع الإسرائيليات والنصرانيات بل على المتدبّر أن يتجنّب تلك المنهجية التي تعمّدت المزج بين المعطى القرآني وما جاءت به الديانات الأخرى . لقد كان القدماء يرومون فهم القرآن في ضوء نصوص موازية سواء كانت إسلامية أو غير إسلامية ولا يخفى أنّ ذلك فيه ما فيه من شبهة التحريف والتشويه للدلالة القرآنية.إنّ ذلك التمشّي يتناقض مع هدف المتدبّر المتمثّل في الحرص على اكتشاف خصوصية الرسالة القرآنية والوقوف على ما يميّزها عن غيرها من الرسالات الدينية. لأنّ الغاية تكمن في إبراز مكانة الرسالة الخاتمة بالقياس إلى ما سبقه.

المصــــادرة الثّـالثـة

لكنّ إدراج الخطاب في كلّ تلك السياقات المذكورة لايمكن أن يفي وحده بكلّ حاجات المتدبّر الى الفهم . وذلك لأنّ الخطاب مندرج في زمان غير زمان المتدبّر. فثمّة مسافة شاسعة تفصل بين الزمانين . وهي مسافة إذا لم يتغيّر فيها ذلك الخطاب فقد تغيّر فيها المتلقّي. فالقارئ بالأمس ليس القارئ اليوم . بينهما مسافة ممتدّة في الزّمان وبون سحيق مزاجا وقيما وثقافة ومشاغل وأفقا وتطلّعات. فالمتدبّر اليوم يطرح على الخطاب من الأسئلــــة ما لم يكن يطــــرحــه عليه أسلافه لأنّ قضاياه ليست قضاياهم وهو ينتـــظر مــــن الخطاب أجوبة لم يكونوا ينتظـرونها منه.

وقد لا يُتاح للمتدبّر ذلك إلاّ بالعمل على قطع تلك المسافة وردم الهوّة التي تفصله عن الأزمنة الغابرة ومطيّته في تلك الرحلة هي ثقافته التّي تمكّنه من الانتقال بالمعنى القديم إلى دلالة معاصرة وتسمح له بإعادة صياغة المعنى بأسلوب جديد يستجيب للمنطق الحديث ويستسيغه الإنسان المعاصر. إنّه بعبارة أوضح يقوم بإعادة إنتاج المعنى . لأنّ المعنى هو كائن حيّ ومتحرّك في الزّمان ولا وجود له خارج ذهن المتلقّي بل لنقل إنّه صناعة مشتركة بينه وبين نصّ الخطاب. ويفهم من ذلك أنّ الخطاب ليس له دلالة نهائية وأنّه كما سبق أن أشرنا منفتح على عديد الدلالات.

ومن الضروري للمتدبّر في هذا المسار أن يميّز في الخطاب بين المعنى والدلالة والقصد فالمعنى هو جزء من الدلالة ولا يستغرقها والدلالة هي جزء من القصد ولا تستغرقه، وغالبا ما تكون العبرة في الخطاب بمقصده وما المعنى والدلالة سوى وســائل لبلوغه. إلاّ أنّ لكلّ طور مــن هذه الأطوار أهمّيته ووظيفته. فقيمة الخطاب لا تكمن فيما جاء به فقط وإنّما فيما جـــاء من أجله أيضا، وهو مشدود إلى لحظاته الثلاث ماضيه وحــــاضره ومستقبلـــه.

المصادرة الرابعة

بهذه الآلية يمرّ المتدبّر للخطاب من الماضي إلى المستقبل وما الحاضر سوى فاصل مقتطع منهما وجزء عـــابر من أحدهما إلى الآخر. والمتدبّر في ذلك الوضع من العبور هو ابن عصره حامل لهمومه ومشاغله منغرس في ثقافته ومسؤول عن مصيره . فلا مناص له في نشاطه التدبّري من استحضار كلّ ذلك والنّظر إليه بمنظار العصر ومعالجته في ضوء ثقافة العصر وإلاّ وجد نفسه خارج التاريخ. وإذا سلّمنا بأنّ ثقافة العصر هي جملة الخصائص الحضارية التي تميّزه عن غيره من العصور كان لا بدّ لنا من أن نقرّ بأنّ ثقافة العصر هي قيم الحداثة. ونعني بها تلك القيم الكونية التي ساهمت في إنتاجها كلّ الحضارات البشرية وليست حكرا لحضارة دون أخرى.

ولسنا هنـــا بصـدد استعراض كلّ تلك القيم بل نكتفي بذكر أبرزها ممّا لا غنى للمتدبّر عن استحضاره عند ممارسة نشاطه الذهني . ونعني بها قيم العقلانية والحريّة والعلمانية وحقوق الإنسان. وليست الغاية من استحضارها إسقاطها على الخطاب وإنّما جعلها في تفاعل مع فهمنا لمقاصده فنحن نحاوره من خلالها ونسائله عنها ونلتمس منه الإجابة عليها فنعمل بذلك على تحيينه وجعله أقرب إلينا وملابسا لقضايانا فننزع عنه ملابسات الماضي ورواسبه ونفسح له المجال للاندراج في مسار التاريخ. وهذا معنى قولنا إنّه صالح لكلّ زمان ومكان. فجهود المتدبّر هي التي تحقق له ذلك عمليـا إذ لا معنى لكونه مجرّد اعتقاد نظري.

والتدبّر عمليّة عقلانية أو لا تكون لأنّنا ازاء خطاب يُعلي من قيمة العقل فمن باب أولى وأحرى أن نُخضع الفهم للعقل السليم الذي يحترم المنطق وينفي الخرافة ويقصي الأسطورة. ولا يعني ذلك أنّ على المتدبّر أن يتجاهل الأبعاد الروحية في نصّ يعتني بالنّفس والوجدان بل من مهامه إيلاء العناية بكلّ ذلك لكن على أن ينظر إلى تلك الأبعاد بمنظار العقل حتّى لا تحيد عن إطارها وتصبح ضربا من الأوهام والخيالات . وتقتضي العقلانية أيضا توظيف مكتسبات العلوم الحديثة في تدبّر النصّ وتوخّي المقاربات المنهجية الجديدة في معالجته ممّا لم يكن متوفّرا لمن تدبّره سالفا من العلماء والمجتهدين.

ولا مراء في أنّ المتدبّر يحتاج في هذا السياق إلى قيمة القيم وهي الحرية. ونعني بها أوّلا حرية الرأي والتحرّر قدر الإمكان من تقليد الآراء السابقة لأنّ التخلّص من ربقة التقليد هو وحده الكفيل بالتّجديد والإضافة. لكنّه لايعترف بهذه الحرية لنفسه فقط بل عليه أن يعترف بها لغيره أيضا . فيحترم حقّ الاختلاف في الرأي ويتجنّب فرض رأيه على الآخرين وإلزامهم به وعليه أن يتحلّى بحظّ كبير من التسامح حتّى وإن كان يعتقد أنّه على حقّ وغيره على باطل. وله في الحوار والمجادلة بالتي هي أحسن مندوحة عن التّعصب والانفراد بالرّأي إذ ما من بشر يمتلك الحقيقة كاملة. وعليه أن يعتبر أيضا بما يقرّه النصّ القرآني من حريّة المعتقد والحريّات العامّة والخاصّة والمبادئ والقيم ذات البعد التحرّري والتوجه الديمقراطي . وقد يعسر على المتدبّر أن يحقّق لنفسه ذلك التحرّر دون أن يعمل على تحرير النصّ ذاته بتخليصه من النصوص الثواني والتمسّك بعلويته واستقلاله.

وليست الحريّة وحدها هي الممثّلة لثقافة العصر بل هي مطلب من مطالبه العديدة المنضوية تحت لواء حقوق الانسان. ولا يخفى ما يتضمّنه النص القرآني من تكريس لتلك الحقوق وإعلاء لها وهو ما ينبغي للمتدبّر استكناهه بإبراز مقاصد النصّ وما تشتمل عليه من قيم العدل بين البشر والمساواة بين الرجل والمرأة وبين أهل الديانات في ممارسة شعائرهم الدينية وفي الحقوق والواجبات . فتكريم الإنسان والحفاظ على الذّات البشرية وتحريم قتل النفس ومراعاة الحرمة الجسدية والمعنوية للكائن البشري من المسائل الجوهرية في النص القرآني. ولذلك يتعيّن على المتدبّر تقييمها وتثمينها وإبراز مكانتها وموقعها الحقيقي في سياق ثقافة العصر.

ومن الأسئلة الجريئة التي يفرضها العصر ويتعيّن على المتدبّر أن يطرحها على نصّه سؤال العلمنة والعلاقة بين الديني والسياسي وهل الوصل أو الفصل بينهما من القضايا التي يطرحها ويوفّر الإجابة عليها ولكن بشرط أن يدرك المتدبّر حقيقة ذلك المفهوم ويتعامل معه بشكل موضوعي ومعرفي بعيدا عن المواقف الإيديولوجية التي حرّفته وأخرجته من سياقه الحقيقي والملابسات التاريخية التي أفرزته . وهذا الجانب من التحرّي مطلوب إزاء شتّى المفاهيم وفق تداولها في ثقافة العصر كما يطلب من طرح السؤال أن يكون دقيقا وشاملا فالسؤال الضّافي هو الضّمان للجواب الشّافي. 

توفيق بن عامر



  
 
    


 

هل أعجبك هذا المقال ؟ شارك مع أصدقائك ! شارك
أضف تعليق على هذا المقال
0 تعليق
X

Fly-out sidebar

This is an optional, fully widgetized sidebar. Show your latest posts, comments, etc. As is the rest of the menu, the sidebar too is fully color customizable.