من التاريخ - 2018.01.24

عامر بوعزّة: أسئلة محمد البـاردي في سيـرتـه الـذاتيـة

أسئلة محمد البـاردي  في سيـرتـه الـذاتيـة

كتب محمد الباردي الجزء الأوّل من سيرته الذاتية بين سنتي 2003 و2007 وأصدرها في العام 2008 عن دار كنعان للنشر في سوريا تحت عنوان «حنّة»، في تلك الفترة أيضا وتحديدا في العام 2005 أصدر كتابه النّقدي: «عندما تتكلّم الذّات»: «السّيرة الذّاتية في الأدب العربي الحديث» عن منشورات اتّحاد الكتّاب العرب في دمشق، وسنجد تطابقا تامّا في الإشكالية العلمية والمنهج النقدي والخلاصات بين هذا الكتاب ومقال نشره بعنوان: «السّيرة الذّاتية في الأدب العربيّ الحديث: «حدود الجنس وإشكالاته» نشر في عدد خصّصته مجلّة فصول سنة 1997 للرّواية العربية»، ما يعني أن مُحمّد الباردي قد توّج اهتمامه الأكاديميَّ بالسّيرة الذّاتية والذي استغرق جُزْءا مُهمًّا من حياته العلميّة بكتابة سيرته هو، وانتقل بذلك من موقع النّاقد والأستاذ الجامعي إلى موقع الكاتب المبدع ، وهو أمر لمن الصّعوبة بمكان إذ قد تلجم المعارف النظرية في كثير من الأحيان اندفاعة الفّن وتلقائيّة الإبداع. حصل ذلك قبل عشر سنوات من تاريخ وفاته في العام 2017، فمن الواضح أنّه قد كرّس خمسينات عمره وستيناتها في تأمّل مجريات حياته وتدوينها في شكل إبداعي: سيرة ذاتية روائية منتصرا في نهاية حياته إلى الفنّان المبدع في ذاته.

الباردي وإعادة اكتشاف أدب الذّات

خَلُص محمد الباردي في كتابه «عندما تتكلّم الذّات» إلى اقتراح مفهوم جديد للسّيرة الذاتية يُعرّفها بأنها «حكْيٌ استعادي نثريّ بأشكال سرديّة متنوّعة يقوم به شخص واقعي عن وجوده الخاصّ والعامّ، وذلك عندما يركّز على حياته الفردية والجماعيّة وعلى تاريخ شخصيّته الكُلّي والجزئي»، والعمل على تعريف جديد يعكس في حدّ ذاته أنّ أدب الذّات جنس أدبيّ بصدد التشكّل لم تكتمل ملامحه بعد، ويبدو الباردي من خلال تحليله للأسس النظرية لهذا الأدب منتصرا لجورج ماي في معارضته فيليب لوجون واحترازه خصوصا على التصلّب المفرط في تعريفه الذي يحدّد مجال السّيرة الذاتية بأنّها «حكي استعادي نثري يقوم به شخص واقعي عن وجوده الخاصّ» فقط، ويتوصّل الباردي من خلال دراسته لنماذج من أمّهات السير العربية إلى أنّ السّيرة الذاتية هي أيضا رواية لعلاقة المؤلّف بالحياة العامّة، من ثمّة كان اختلافه عن فيليب لوجون في التّعريف المقترح يتمثّل في إضافة الحياة العامّة بمختلف أشكالها، فالسّيرة تشتمل على حياة المؤلّف الفردية والجماعية وتاريخه الكلي والجزئي ووجوده الخاصّ والعامّ، من هذا المنطلق النّظري تبدو لنا «حنّة» رواية عن محمد الباردي الطّفل وعن مجتمع قابس المحلّي في بدايات النّصف الثّاني من القرن العشرين، فالمؤلّف لا يكتفي في سيرته الروائية بسرد ذكرياته في عالمه العائلي الخاصّ بل يتجاوز ذلك إلى سرد وقائع تتّصل بحياة الفلاحين والنساء والفُتوّات والمُعلّمين والموظّفين وكلّ الشّخصيات التي تتحرّك في دائرة مغلقة هي طفولة الكاتب أو ما ظلّ نابضا فيها بالحياة بعد مضيّ أكثر من نصف قرن، وإذا أردنا الدقّة أكثر، قلنا: ما يستطيع الكاتب أن يتذكّره ويعيد كتابته في زمن مغاير عن زمن التّجربة هو زمن الكتابة والفاصل بينهما يفرض سطوة النسيان كما يفرض سلطة الانتقاء.

السّيرة الذاتية بين النظريّة والواقع

لكن الباردي الرّوائي وهو يستعيد وقائع من حياته الخاصّة والعامّة في مرحلة الطفولة لم يتخلّص كليّا من هاجس السّيرة وإشكالاتها النظريّة، فالقارئ يلمس بعض الحيرة التي تعتريه وهو بصدد مسائلة الماضي ورسم استراتيجياتٍ للتذكّر بما يحيل على ما يطرحه النّاقد عادة من أسئلة تقنية تتعلّق بهذا الجنس الأدبيّ، نجد هذا الهاجس في افتتاحيات الفصول بمثابة الرّابط بين الوحدات السردية، وهذه الفقرات المبثوثة في مختلف وحدات السيرة الروائية توسّع نطاق «الميثاق السير ذاتي» الذي يعتبره النقاد ركنا أساسيا في دراسة أدب الذات يميّزه عن الرواية بما هي عمل نثري حرّ ومتخيّل غير مطالب فيها كاتبها بالتزام الصّدق. والميثاق عند الباردي يسفر عن ضرب من التوجّس في العلاقة مع القارئ المتوقّع، يقول الراوي وهو يحادث نفسه في الفقرات التي يجعل فيها من الذّاكرة والكتابة محورا لتأمّلاته: «تستطيع الآن أن تغوص في ذاكرتك وأن تذهب بعيدا بعيدا، ولكن سيتّهمك من سيقرأ هذه الأوراق بأنّك تُجمّل حياتك وتزيّن أيامك السّالفة»، ويُذكّرنا هذا التساؤل بقصّة محمد شكري الشهيرة مع المترجم الياباني الذي زاره ليطّلع على الأماكن التي دارت فيها وقائع «الخبز الحافي» فتوقّف عند صهريج صدئ وصفه الكاتب في سيرته قائلا إنه يبدو في الرواية أجمل منه في الواقع! أو ليست تلك هي وظيفة الفن؟

إضافة إلى التوجّس تبدو لحظة الكتابة عند الباردي لحظة توتّر قصوى فهو يفصح عن أنّ استراتيجية التّأليف الأساسية تقوم أوّلا على التذكّر: «بقي الكثير ورحاب الذّاكرة واسعة ولكن اللحظة المثيرة التي تريد اقتناصها تلاعبك، تراودك ثم تختفي الصّورة وعلى الصّورة أن تظهر» وهذا أمر طبيعي إذ يجهد نفسه في تذكّر التفاصيل لإعادة بناء كل مشهد من مشاهد السيرة: «أحاول الآن أن أرسم ذلك الشّارع الطّويل الضيّق الذي عشت فيه، ذاكرتي تخونني أحيانا ولكنّني أستطيع رغم ذلك أن أحدّد عناصره وأن أؤثّث الحياة التي كانت تجري فيه»، هكذا يصف الباردي عملية التذكر التي تصبح جزءا أساسيا من قصّة الكتابة أو «قصّة القصّة تُكتَبُ»، حتى إنّ التذكر يصبح في بعض الفقرات آخر مرحلة من المراحل بعد الخلق والابتكار «يكفي في هذه اللحظة أنّك تحلّق بأجنحتك وتعود إلى أماكن لن يجدها أحد، تعود إليها، تخلقها، تبتكرها، تتذكّرها، ولكنّك واجد فيها لذّة لم تعشها سنين عديدة». لا يفوت الباردي أن يعلّق على هذه المفارقة في موضع آخر بحسّ النّاقد اليقظ: «لا أتمثّل الأشياء كلّها كما كانت أو كما يجب أن تكون بل كما أراها، لذا قال أحد الكتاب إذا كانت معظم الروايات هي سيرة ذاتية مموّهة فإنّ السّيرة الذاتية هي رواية مموّهة، لست أدري هل تصحّ هذه المقولة على هذه الأوراق التي أكتبها الآن؟».

لكنّ التّوتّر الذي يسيطر على مناخ التذكّر والكتابة هو جوهر عملية الخلق الفني التي تتجلّى وسط عاصفة من التساؤلات تعكس قلقا وجوديا أصيلا «إنّك تريد الآن أن تقف في وجه الزّمن أن تجمع بين لحظتين: لحظة تريد استرجاعها تخرجها من باطن الذّاكرة من أعماق الأيّام الرّاحلة، ولحظة راهنة تعيشها الآن وأنت تخطّ هذه الورقات الحميمة ولكنّها هي الأخرى تتأهّب للرحيل».

«حنّة» هي واحدة من أهم تجارب السيرة الذاتية في تونس والوطن العربي، لا تستمدّ أهميتها ممّا توفّره من صور ومشاهد عن البيئة المحلية في الجنوب التونسي في الخمسينات من القرن الماضي فحسب وإنّما مما يعتمل فيها من تساؤلات حول السيرة الذاتية بوصفها موضوعا علميّا انكبّ على دراسته المؤلّف ردحا من حياته الأكاديمية، ولعلّ في اختيار عبارة سيرة روائية وصفا للجنس الذي ينتمي إليه هذا الكتاب ما يمنح صاحبه مطلق الحريّة في الكتابة وهو يعترف بذلك حين يقول: «ستضيف كل رواية إلى المشهد عنصرا جديدا وسيلعب الخيال لعبته»، لكن أيّا كانت حدود الواقع في النص وطبيعة العناصر المثيرة المضافة إليه فإنّ الذاكرة الانتقائية هي البطل الخارق في نص «حنّة» والانتقاء يستند إلى منطق بديهي وجازم «فالأشياء التي ننساها هي الأشياء التي لا تؤثّر فينا، لكن تلك التي لا نزال نذكرها تشعل في قلوبنا حريقا لا تقدر الأيّام على إطفاء جذوته».

عامر بوعزّة

هل أعجبك هذا المقال ؟ شارك مع أصدقائك ! شارك
أضف تعليق على هذا المقال
0 تعليق
X

Fly-out sidebar

This is an optional, fully widgetized sidebar. Show your latest posts, comments, etc. As is the rest of the menu, the sidebar too is fully color customizable.