اصدارات - 2017.11.21

من منشورات بيت الحكمة: "الآخر في السينما" ومقاربات لخبراء الطب النفسي والسوسيولوجيا والسينيمائيين العرب والغربيين

من منشورات بيت الحكمة: "الآخر في السينما" ومقاربات لخبراء الطب النفسي والسوسيولوجيا والسينيمائيين العرب والغربيين

قد لا نجانب الصواب إن سلّمنا بالطابع الإشكالي للتأويل لاعتبارات متعدّدة، أبرزها تعددية المعاني للرسالة الواحدة وإن بدت ذات قصدية محدّدة، فضلا عن محدودية النص التعبيري في ذاته لأنّ اللغة تخفي أحيانا حينما تقول، وتخفي أحيانا أخرى كي تقول، لذلك أنتجت الذات المبدعة أشكالا تعبيرية مختلفة كالسينما، لتتحالف تقنيات الصورة والصوت والمفردات والموسيقى الخ ..

من أجل البوح بما يعتمل داخل الكيان. وعليه يكون النص السينمائي مادة دسمة للنقاد المختصين المعنيين بالجوانب التقنية أساسا، ولخبراء الطب النفسي والمحللين السيكولوجين والسوسيولوجيين، المهتمين بالدوافع النفسية-الانفعالية، والحاضنة الاجتماعية المركّبة نظرا للتداخل الأخطبوطي بين الاقتصادي والسياسي والقيمي الخ..

في هذا الإطار يتنزّل كتاب"الآخر في السينما" الذي نشره المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون "بيت الحكمة"، بإشراف الباحثة في الطب النفسي المرضي، الدكتورة خلود بن محمد غربي، حيث يتضمّن الكتاب الوارد باللغتين العربية والفرنسية مداخلات علمية لخبراء في التحليل النفسي وعلم الاجتماع والطب النفسي السريري، وسينمائيين من تونس وعرب وغربيين. تشدّد الدكتورة خلود بن محمد في المقدّمة على غائية العمل السينمائي المرتبطة بالمرجّح أو المحتمل، إذ "لا يبحث الفيلم عن الحقيقة، بل عن المرجّح" لأنّه يندرج ضمن الأشكال التعبيرية الفنية التي تنهل من عالم المخيال، مطلق العنان للمتقبّل ليمارس طقوس التأويل غير العابئ بالمحظور الكابح، فلا وجود برأيها "لقراءة صحيحة، إنّما لقراءات مختلفة لأنّها ذاتية".

ويحق للمنتج أن ينطلق من مرجعية ترميزية تخصّ حقله الدلالي، كما يحق للمتقبّل أن يمارس تأويله وفقا لمعجم ذي رمزية خصوصية، وهذا ما أجمعت حوله مضامين الكتاب، واختزلته أستاذة الطب النفسي للطفل والمراهق بجامعة السوربون، ماري روز مورو  في مقولة "الصور السينمائية مفعمة بالحميمي"، حيث يلتقطها كل متقبّل طبقا لوضعه النفسي واستعداداته الذهنية أي معيشه الخاص حسب دراستها.

فمن الطبيعي أن يستوعب كل فرد الأعمال السينمائية تحت تأثيرات تجمع المسارات النفسية والبيولوجية، الواعية واللاواعية، المشتركة والموغلة في الحميمي، ومن البديهي أن تفرز هذه العوامل تعددية التأويل للنص الواحد، بل للومضة الواحدة حتى وإن أوهمتنا الرسالة بالوضوح، فهي حمالة للمعاني ومؤرّقة للكيانات المولعة برصد مقاصد الباث. ولعل هذا ما دقّق في تفاصيله الطبيب النفسي، رئيس قسم التحليل النفسي المؤسساتي بمستشفى بيروت، الدكتور شوقي أزوري في دراسته بعنوان: الآخر، المرآة، السينما، منطلقا من المقولة الشهيرة للشاعر الفرنسي رامبو "أنا هو آخر" ففي السينما يتحوّل الجميع إلى الآخر "لأنّنا داخل قاعة السينما المظلمة نكون في موقع الآخر الحالم" حسب قوله، إنّها لحظة تبادل المواقع بين الباث والمتلقي يتحوّل بمقتضاها المتقبّل إلى منتج للرسالة التي يستبطنها لتغدو نصّه المعبّر عما يختلج بأعماقه الدفينة، لذلك يستعير الدكتور أزوري شعار فرويد "الحلم هو الدرب الملكي للاشعور" قائلا: "السينما هي الدرب الأميري للاشعور". فقد يجد البعض في أعمال سينمائية المكبوت السياسي، ويصعّد البعض الآخر عبر الفيلم المكبوت الغريزي، إنّه الآخر المتعدّد في الومضة السينمائية الواحدة، حيث تجد كل ذات مكانا يأويها في بنية النص السينمائي، كما تكشف عبره الجوانب المخفية في جهازها النفسي.

نستخلص مما تقدّم أهمية مثل هذه المؤلّفات غير المألوفة في المكتبات العربية تحديدا من جهة، ولحداثة مقاربات التحليل النفسي واكتشاف باتولوجيا الحياة النفسية من جهة ثانية، كما يتضمّن الكتاب مقاربات سوسيولوجية تكشف العلاقة العضوية بين مضامين الأعمال السينمائية وسياقاتها الاجتماعية، بما تعنيه من أبعاد اقتصادية ونظم سياسية ومنظومة قيم. فالفنون والتعابير الثقافية بشكل عام تختزل المرآة التي عبرها نتأمّل هوية الشعوب المنتجة لها، فمن يطرح العرضي لا يمتلك مشروعية التثاقف الندي مع خطاب المتسيدين على العالم، ولا يجوز اختزال الإبداعات في الانتشاء الجمالي الصرف والأبعاد الاستيتيقية الخالصة، بلهي  ذات علاقة وثيقة باليومي، وتظل التجارب النقدية للسينما والفنون بحاجة إلى مثل هذه المؤلّفات العلمية ضمانا للتحليل العميق والنقد المؤسّس.

هل أعجبك هذا المقال ؟ شارك مع أصدقائك ! شارك
أضف تعليق على هذا المقال
0 تعليق
X

Fly-out sidebar

This is an optional, fully widgetized sidebar. Show your latest posts, comments, etc. As is the rest of the menu, the sidebar too is fully color customizable.