شؤون عربية - 2017.07.04

حـنان زبـيــس: أيّ دور لتركيا ما بعد داعش؟

حـنان زبـيــس: أيّ دور  لتركيا ما بعد داعش؟

لا يفوتك وأنت تتجوّل في شوارع أربيل وإقليم كردستان بكل عام التأثير التركي الكبير على مستوى هندسة الطرقات وأشكال المنازل وحتى المواد المستعملة لبنائها. ولا تفوتك أيضا ملاحظة البضائع التركية في كل مكان، في كل متجر وكل سوبر ماركت، من ملابس وأحذية وأثاث ومواد غذائية وحتى الخضر والغلال، ممّا يشكل مفارقة في بلد يتميز بوفرة المياه وجمال الطبيعة وامتهان سكانه لمهنة الزراعة منذ الأزل. هذا يعطي فكرة على عمق تأثير تركيا في إقليم كردستان وفي شمال العراق عموما والذي تعتبره هذه الأخيرة إمتدادا جغرافيا لنفوذها.

دخول داعـــش إلى العـراق واستيلاؤه على الموصل في جوان 2014 أعطى حجـــة إضــافية لتركيا لتعزيز وجـودها في شمـــال العراق خاصة وأنها تعتبر الموصل ولاية عثمانية انتزعت منها بعد الحرب العالمية الأولى.

تركيا التي لا تنفكّ تقدّم نفسها على أنها حامية المعسكر السني في الشرق الأوسط تدخّلت في كلّ الحروب في المنطقة وكانت الداعمة الأولى للمعارضة الإسلامية في سوريا للإطاحة بنظام الأسد وسهّلت دخول مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية إلى الأراضـــي الســـورية ودعمتهم لوجيستيا وعسكريا قبل أن ينقلبوا عليها بعد قبولها الدخـول في التحالف الدولي لمقاومة الإرهاب. اليوم ومع قرب انتهاء داعش من خلال التحرير الموشك للموصل ولمدينة الرقة عاصمة التنظيم، ستلعب تركيا دورا محوريا في تحديد شكل المنطقة ولكنها تجد نفسها حاليا أمام عقبتين أساسيتين: تعاظم دور الأكراد في سوريا وحصولهم على الدعم الدولي من جهة وتمدّد النفوذ الإيراني في المنطقة وتعزيز الحضور الشيعي فيها من جهة أخرى. هذه التحديات الدولية الخارجية تأتي في سياق تواجه فيه تركيا أزمات داخلية بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في 2016 وتداعياتها على وضع الحريات، بالإضافة إلى تضرّر الإقتصاد التركي من العمليات الإرهابية المتواصلة على الأراضي التركية وعودة المواجهات مع حزب العمال الكردستاني.

تعاظم دور الأكراد

لا تنظر تركيا بعين الرضا إلى تعاظم دور أكراد سوريا الذين يقاتلون تنظيم الدولة الإسلامية بالنيابة عن عديد الدول ومنها الولايات المتحدة الأمريكية وتتوجّس من الانتصارات التي لا تنفك تحقّقها على الأرض وحدات حماية الشعب الكردية القريبة من حزب العمال الكردستاني. كما أنها عبّرت لأمريكا في العديد من المناسبات عن غضبها من تسليح هذه الأخيرة لأكراد سوريا، حيث سلّمتهم الولايات المتحدة مؤخرا أسلحة خفيفة وآليات استعدادا لخوض معركة استعادة الرقة. وكان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ندّد بهذه السياسة الأمريكية واعتبر أن «تسليح أمريكا لوحدات حماية الشعب الكردية يتعارض مع طبيعة العلاقات التركية الأمريكية» خاصّة وأنه يعتبرها «جماعات إرهابية».

ولا يخفى أن انضمام تركيا إلى التحالف الدولي ضدّ الإرهاب في 2015 بعد مماطلات عديدة كان أساسا للتصدي لتقدّم القوات الكردية على الأرض وإمساكها بزمام مناطق هامة من شمال سوريا تقع على الحدود مع تركيا ومع العراق. كما ان إخضاع أكراد سوريا لهذه المناطق للحكم الذاتي ومهادنتهم لقوات بشار الاسد شكّل تهديدا كبيرا للمصالح التركية، حيث تخشى الحكومة التركية من نشأة دولة كردية مستقلة على حدودها قد تغذّي الطموحات الانفصالية لأكراد تركيا.وباسم الحرب على داعش، تدخّلت تركيا في المناطق المسيطر عليها من قبل الأكراد وعملت على قصفها وساهمت في تسهيل دخول الإرهابيين إليها. ولكنّها لم تستطع بأيّ حال من الأحوال الحدّ من تعاظم الدور الكردي في مقاومة داعش والثقة الكبيرة التي وضعها الأمريكان والروس في أكراد سوريا لطرد التنظيم من الأراضي السورية باعتبارهم القوة الوحيدة على الأرض القادرة على التصدي للتنظيم. إلا أن تركيا لن تستسلم لواقع الحال الذي فرضته الحرب على داعش، فبعد يأسها من إسقاط نظام الأسد، أصبح هاجسها هو ضمان موطئ قدم في سوريا الجديدة ما بعد الحرب ومنع تفكّكها واستقلال الأكراد. هذا ما يفسّر تقاربها مع روسيا وسعيها إلى وقف إطلاق النار وخلق مناطق آمنة في سوريا يكون بعضها تحت إشرافها.

من جهة أخرى، تحاول تركيا الضغط على أكراد سوريا من خلال أكراد العراق وتحديدا الحزب الديمقراطي الكردستاني الماسك بزمام الحكم في إقليم كردستان العراق، والقريب من تركيا. حيث يعمل مسعود البارزاني، رئيس الإقليم، على التدخل المستمر في شؤون المناطق التي يسيطر عليها أكراد سوريا، بضغط من تركيا، ممّا خلق حساسيات بين الجانبين رغم انتمائهما لقومية واحدة. ففي المناطق الكردية في سوريا تسيطر جبهتان سياسيتان: الأولى هي المجلس الوطني الكردي في سوريا ويعرف بقربه من الحزب الديمقراطي الكردستاني  والثانية هي حركة المجتمع الديمقراطي التي يسيطر عليها حزب الاتحاد الديمقراطي «PYD». وتتنافس الجبهتان على تقرير مصير المناطق الكردية في سوريا، فحزب الاتحاد الديمقراطي الذي أعلن عن تأسيس فيدرالية كردية في مارس 2016  يريد فتح الحدود بين كردستان سوريا وكردستان العراق، والحزب الديمقراطي الكردستاني يعمل على التصدي لهذا المشروع بتأثير تركي ويغلق النقاط الحدودية أمام أكراد سوريا، كما أنه يرفض فتح مكاتب لحزب الاتحاد الديمقراطي في أربيل.

ولم يخلُ التعامل بين الجبهتين من مواجهات وخلافات تم السعي لحلها من خلال اجتماعات عديدة انتظمت في أربيل بمبادرة من مسعود البارزاني وتم خلالها توقيع اتفاقات تقتضي فتح الحدود بين البلدين ولم تنفّذ قط.

في المقابل، يحاول أكراد سوريا بتأثير من حزب العمال الكردستاني في تركيا، توسيع رقعة نفوذهم في كردستان العراق وذلك من خلال تعزيز وجودهم في سنجار الموجودة على الحدود السورية العراقية والتي تدخّلت فيها قوات حزب الاتحاد الديمقراطي «PYD»  منذ هجوم داعش عليها في أوت 2014 ولم تتركها منذ ذلك التاريخ رغم خروج التنظيم منها. ويعتبر الحزب الديمقراطي الكردستاني وجودها حاليا في منطقة سنجار تهديدا لسيادته، ممّا يفسر المواجهات التي تحصل من وقت للآخر بين قوات البشمركة وقوات الاتحاد الديمقراطي وآخرها المواجهات الدامية في مارس الماضي في سنجار.  والجدير بالتذكير هنا أن سكان منطقة سنجار وأكثرهم من الايزيديين يميلون كثيرا إلى بقاء قوات الاتحاد الديمقراطي فيها أكثر من عودتها تحت سيطرة البشمركة لأنهم يتهمونهم بالتخلي عنهم إبان هجوم داعش على المنطقة، كما ان أكراد سوريا هم من قاموا بحمايتهم وأشرفوا على تدريبهم عسكريا ليخلقوا قوّة عسكرية خاصة بالإيزيديين لحماية مناطقهم، كما بيّنوا لنا خلال زيارتنا لمقراتهم في جبل سنجار.

بهذا تنضاف منطقة سنجار إلى منطقة قنديل (170 كلم شمال شرق السليمانية) لتندرجا ضمن المناطق التي يسيطر عليها حزب العمال الكردستاني على الأراضي الكردية العراقية والخارجة تماما عن سيطرة إدارة إقليم كردستان. ورغم  السماح للقوات التركية بالدخول بصفة متواترة إلى كردستان العراق لقصف مواقع حزب العمال فيها، فإن ذلك لا يغير الحقيقة على أرض الواقع وهي امتداد حزب العمال في العراق وسوريا في تحد صارخ لإرادة تركيا. وكما يبين أحد قيادي حزب العمال في العراق، سكفان برواري فإن «الأكراد أصبحوا رقما صعبا في المعادلة الجديدة في المنطقة واستطاعوا أن يكسبوا التأييد الدولي. ورغم ما تبذله تركيا من محاولات لمنع قيام الدولة الكردية في سوريا عبر تقديم تنازلات مهينة للجهات الدولية وخاصة روسيا، إلاّ أن التغيرات الدولية الجارية على الساحة لا تصبّ في صالحها».

حلم استعادة الموصل، الولاية العثمانية

عدا سعيها لوقف تقدم الأكراد في سوريا والعراق، تحاول تركيا تعزيز حضورها في مناطق السنّة في البلدين، بما أنها تعتبر نفسها حامية المعسكر السنّي في المنطقة بشكل عام. فلئن راهنت منذ بداية الأزمة في سوريا على دعم المعارضة الإسلامية السنية لوجستيا وعسكريا ولاتزال، فإنها عملت على التقارب مع المكوّن السني في العراق، سواء كان من العرب أو الأكراد أو التركمان. وهذا ما يفسر تمركز قواتها على الأراضي العراقية، وتحديدا في بعشيقة شمال العراق، بحجة تدريب القوات السنيّة العراقية والحشد العشائري وهي ميليشيات سنيّة مكوّنة من أبناء العشائر السنيّة لمقاومة داعش، وأيضا بحجــة حمـــاية المكــوّن التركماني في تلعفر (70 كلم شمال غربي الموصل).

وتضع تركيا عينها تحديدا على الموصل، ممّا يفسّر تدخلها للمشاركة في عملية تحريرها في البداية، ممّا أثار حفيظة الحكومة العراقية التي رأت في ذلك تدخلا سافرا في سيادتها وذهبت إلى حدّ تقديم شكوى ضدّ تركيا أمام مجلس الأمن. وتعتبر تركيا أنّ الموصل جزء من امتدادها الجغرافي والتاريخي، حيث أنّ المدينة خضعت للحكم العثماني لمدة أربعة قرون قبل أن تضطر تركيا للتخلي عنها بعد الإمضاء على معاهدة لوزان في 1923 ثم اتفاقية أنقرة سنة 1926، تحت تأثير بريطانيا وفرنسا اللتين حكمتا الموصل على التوالي، بعد أن أصبحت تابعة للعــراق. وقد تحــركت أطمــاع القوى الغربية نحو الموصــل لأنّها تحتـــوي على آبار نفطية.

وتنوي تركيا أن تلعب دورا في تحديد مصير الموصل ما بعد داعش وهي تعتبر أن المكوّن السني فيها في خطر، أمام توسّع نفوذ ميليشيات الحشد الشعبي التي تشارك في تحريرها، ممّا يهدّد التركيبة الإثنية للمدينة. من جهة أخرى، فإن تركيا هي الحامي الرسمي للأقليّة التركمانية في تلعفر في ضواحي الموصل وهي لا تنوي التخلي عن هذه المهمة، خاصة مع تواتر الأخبار حول التجاوزات التي يقوم بها الحشد الشعبي المشارك في تحرير تلعفر ضد السكان السنة. ولكن وراء هذه السياسة الحمائية للتركمان، تسعى تركيا أساسا إلى التصدي للنفوذ الإيراني، فبتحرير الحشد الشعبي لتلعفر تنجح إيران في فتح ممرّ بينها وبين سوريا  يمرّ يعبر من العراق عبر تلعفر القريبة جدا من الحدود السورية العراقية (حوالي 60 كلم).

التصدي للنفوذ الإيراني

مواجهة التوسع الإيراني في المنطقة هو من ضمن أولويات تركيا التي لا تنفك تصطدم بوجود إيران، سواء في سوريا من خلال دعم نظام الأسد الذي ترغب تركيا في إزالته، أو في العراق حيث تلعب إيران دورا كبيرا في مواصلة إقصاء وتهميش المكوّن السنّي المدعوم من تركيا عن العملية السياسية في العراق، بالإضافة الى تحالف النظام الإيراني مع جزء من الأكراد في إقليم كردستان وتحديدا الاتحاد الوطني الكردستاني لإضعاف النفوذ التركي. لذلك تقف تركيا في نفس المعسكر مع السعودية والأردن والإمارات وقطر  والولايات المتحدة للتصدي لامتداد المعسكر الشيعي بقيادة إيران، عبر محاولة إضعاف نفوذها في سوريا، وذلك من خلال مواصلة دعم وتسليح المعارضة السنية والسعي لتنفيذ مبادرة المناطق الآمنة في سوريا ووضعها تحت غطاء أممي لإضعاف النفوذ الإيراني. أما على مستوى العراق، فتسعى تركيا لتقوية المكوّن السنيّ في الموصل وفي مناطق العشائر السنيّة وفض الخلافات بينها وإخراج قيادة كفيلة بتزعّم هذا المكون والدفاع عن مصالحه في العراق، فيما لو تمّ تقسيم هذا البلد إلى ثلاث دويلات. وهذا ما يفسّر الاجتماعات المتكررة في تركيا لممثّلي التيار السنّي في العراق وآخرها مؤتمر اسطنبول في مارس الماضي والذي تمّ تحت رعاية عربية ودولية في محاولة لبحث الدور السنّي في مرحلة ما بعد داعش وتوحيد صفوف هذا المكوّن.

الأزمات الداخلية تعصف باستقرار تركيا

لم تمر سياسة تركيا التوسعية، دون انعكاسات على الوضــع الداخلي فيها، فانخراطها منذ اندلاع الثــورة في سوريـا في محاولات زعزعة النظام والإطاحة به ودعمها للحركات الاسلامية وفتح حدودها أمام قدوم المقاتلين من جميع أصقاع العالم للانضمام إلى صفوف جبهة النصرة وتنظيم الدولة الإسلامية، أضرّ بشكل كبير باستقرار الدولة التركية التي أصبحت مرتعا للإرهابيين. إذ سرعان ما انقلب السحر على الساحر وصار داعش يستهدف أمن تركيا من خلال تكرّر العمليات الإرهابية في قلب العاصمة التركية وفي أهم مراكزها السياحية، مما انجر عنه ضرب اقتصادها القائم في جانب كبير منه على السياحة وعلى الاستثمار الأجنبي. من جهة أخرى، فإن استهداف الأتراك لأكراد سوريا وقصف مناطقهم، أجّج الخلاف من جديد مع حزب العمال الكردستاني وانتهت الهدنة معه لتعود بقوة عملياته ضدّ القوات التركية ويعود التصادم بين الجانبين مخلّفا المزيد من القتلى وعدم الاستقرار السياسي. كما أنّ عملية الانقلاب الفاشلة في جويلية 2016 وموجة الاعتقالات التي انجرّت عنها وضرب الحريات، زادت في إضعاف النظام في تركيا وإن نجح أردوغان في كسب نتائج الاستفتاء وتغيير الدستور لصالح تعزيز صلاحياته  كرئيس. لكن ذلك لا يخفي أنّ قطاعا واسعا من الشعب التركي يبقى غير راض عن سياسته التي زجّت بتركيا في مآزق يصعب الخروج منها حاليا.

ولا يجب أن ننسى أيضا أنّ محاولات أردوغان المتكررة أسلمة الدولة وتجريدها من طابعها العلماني، كسّرت وبشكل نهائي الصورة الإيجابية التي أعطتها تركيا حول قدرة الإسلام السياسي على الانفتاح على الديمقراطية وتحقيق الرخاء الاقتصادي.  وبصفة عامة فإن الغرب لا ينظر بعين الرضا إلى حكومة أردوغان التي لا تنفكّ تبتزّه بمعاودة فتح الحدود أمام تدفق اللاجئين نحو أوروبا وبالخروج من حلف الناتو وبمنعه من استخدام قاعدة أنجرليك.كلّ هذه المعطيات الداخلية والخارجية تضع تركيا في موقف غير مريح دوليا وإقليميا، بالإضافة إلى مستقبل سيـــاسي غـــير واضـــح ومفتوــح على كل الاحتمالات.

حـــنــــان زبــــيـــــس

هل أعجبك هذا المقال ؟ شارك مع أصدقائك ! شارك
أضف تعليق على هذا المقال
0 تعليق
X

Fly-out sidebar

This is an optional, fully widgetized sidebar. Show your latest posts, comments, etc. As is the rest of the menu, the sidebar too is fully color customizable.