أدب وفنون - 2017.05.31

شيخ الفنّانين خميّس التّرنان: حلقة الوصل المتينة بيـن ماضي المـوسيقى التّونسيّة وحاضرها

شيخ الفنّانين خميّس التّرنان: حلقة الوصل المتينة بيـن ماضي المـوسيقى التّونسيّة وحاضرها

عاش المرحوم الشّيخ خميّس التّرنان خلال مرحلة من أهمّ وأدقّ المراحل التي مرّ بها الإرث الموسيقيّ الأصيل  في سياق تحوّلات اجتماعيّة واقتصاديّة وثقافيّة عاشها المجتمع التّونسيّ بين نهايات القرن التّاسع عشر وأواسط القرن العشرين. فقد نشأ التّرنان في مناخ ذلك التّراث الثّريّ المتنوّع واغترف، صبيّا، من مناهله الرّوحيّة والدنيويّة، وعند بلوغه مبلغ الرّجال اتّخذ الفنّ الموسيقيّ مهنة متقلّبا فيه بين الأصيل والدّخيل وبين القديم والمحدث قبل أن يقترن اسمُه خلال العشرينات والثّلاثينات من القرن الماضي بحركة الدّفاع عن الهويّة الموسيقيّة التّونسيّة المهدّدة في ظلّ نظام الحماية الفرنسيّة.

كان الشّيـــخ مـــن ضمن الذين ساهموا في تأسيس جمعيّة الرّشيــدية سنـــة 1932 في مواجهة زحــف الأســاليب والأشكال الواردة من الشّرق والغرب. وقد أفادت الرّشيديّة من تجربة الشّيخ في مجال المحافظة على موسيقى المالوف العريقة، كما كانت إطارا لإبداعاته في أشكال النّوبة التّقليديّة وما يدور في فلكها من موشّحات وأزجال؛ هذا إلى كونه من المجدّدين الذين أغنوا الموسيقى التّونسيّة باستلهام عناصر أسلوبيّة ومقاميّة وإيقاعيّة مشرقيّة، أسوة بمن سبقه من أعلام الموسيقى أمثال محمد الرّشيد باي وأحمد الوافي. قبل المضيّ قدما في الحديث عن مسيرة خميّس التّرنان وعن مساهماته القيّمة في إحياء الموسيقى التّونسيّة الأصيلة وذكر بعض إضافاته إلى التّراث التّونسي، وجب أن نتساءل عمّا نعنيه بذلك التّراث: إنّه مجموع تقاليد الغناء والعزف ذات الأصول المختلفة والنّاتجة عن ممـــارسة مستمــرّة منذ قرون، مشكّلةً رصيـــدا من الأنماط والأساليب المعبّرة عن حسّ جماليّ مشترك بين التّونسيين وإن تنوّعت تعبيراته حسب الجهات واختلفت بين روحيّة ودنيويّة وحضريّة وريفيّة ومتقنة وشعبيّة؛ ويبــرز من بينها المالـوف ذو الأصول الأندلسيّة، مَعْلَمًا فريدا ساهــم في بنــائه والمحافظة عليه فنّانون من مدن تونسيّة مختلفة.

المولد والنّشأة

وُلــد خميِّس بن علي التّرنان سنة 1894 بحيّ الأندلس من مدينة بنزرت في عائلة ذات أصول أندلسيّة موريسكيّة تمتهن الحياكة وينتمي أفرادها إلى الطّريقة العيساويّة التي كان جدّه لأبيه أحد شيوخها الكبار. بدأ تعليمـــه في الكُتَّاب حيــــث حفظ نصيبا من القـــرآن الكريـــم ثـم التحق بالمدرسة الابتدائيّة قبل أن ينتقل إلى ممارسة الحياكة في دكّان والـده. وقــد تعلّم منـذ نعــومة أظفاره العزف على آلة النّفخ الشّعبيّة «الفحل» ومارس الإنشاد الصّوفي حسب الطّرق العيساويّة والقادريّة والسّلاميّة، كما حذق العزف على المندولينة وكانت تستعمل آنذاك في الموسيقى الشعبيّة. وفي شبابه ولع بالغناء الشّرقي من مواويـــل وأدوار وقصائد ممّا كانت تبثّه تسجيلــات الفــونوغراف في مقـــاهي بنـــزرت مثـل مقــاهي فيكتور والفريخة والحشّـــاني؛ وكان أن انضمّ كعازف ماندولينة ثم عـــود شرقيّ إلى فرقتين محتــرفتين بالمدينة وهما فرقة كوهين بِشِّشِّي وفرقة شْمِيعِنْ.

أولى الخطى على درب التّأصيل الموسيقي

وفي العام 1915 انتقل إلى العاصمة وأقام بها وبدأ مسيرة فنيّة جديدة كمطرب يغنّي اللّون المشرقي وخاصّة منه البغدادي في مقهى «زمّارة» قرب زاوية سيدي الشّالي بالرّبض الجنوبي. ولم يلبث أن ذاع صيته ونال الحظوة والإعجاب من شخصيّات تنتمي إلى بلاط البايات مثل الجنرال العيد الذي كان يكرمه ويعجب بفنّه وتدخّل لإعفائه من أعمال السّخرة بمرسيليا لصالح فرنسا إبّان حربها مع ألمانيا. كانت السّاحة الموسيقيّة في فترة ما بين الحربين مجالا لسيطرة الأغنية الخفيفة الشّرقيّة أو المحليّة التي تنشرها شـركات الأسطوانات في أغراض وأساليب تفتقـــر إلى الإجـــادة والأصالة مع غلبة الإسفاف والابتذال عليها، باستثناء بعض المحاولات المتفرّقة لتسجيل بعض القطع الموسيقيّة الأصيلة من التّراث الشّعبي. كانت تلك المحاولات بداية وعي بالذّات وكان الشّيخ خميّس التّرنان من أوائل الذين انخرطوا في ذلك الوعي وشعروا بضرورة إحياء المالوف وتعويد ذائقة الجمهور عليه، فأخذ يولى عنـــاية متزايدة بالتّقــــاليد التّونسيّة في حفلاته الغنائيّة بالمقاهي وخاصّة بمقهى «المرابــــط» بأســواق المدينة العتيقة وفي بيوت بعض وجهاء الحاضرة.

نما رصيد خميّس التّرنان مــــن المالوف وتعمّقت تجربته فيه بعد تعرّفه على المرحوم أحمد الطّويــلي، أصيل مدينة القيروان وكان أحد كبار مشائخ التّراث الموسيقي، فلزمه وضمّه إلى فرقته كضابط إيقاع وأخذ عنـــه النّوبــــات الأندلسيّة التّونسيّة، كما أخذ طرفا منها عن أحد شيوخ الحاضرة الكبار وهو المرحوم محمّد الدّرويش أحد تلامذة الشّيخ أحمد الوافي. وبداية من العام 1926 سجّل خميّس التّرنان مع شركة باتي  Pathé بعض القصائد والأشغال والبراول من المالوف وزاد تمكّنه من تقنيات عزف العود التونسي (العود العربي) وكان يطمح إلى التّميّز فيه على غرار عازفيه الكبــار في ذلك الوقت مـــن أمثال لالو بالشّشّي ومحمد المغيربي.

الشيخ التّرنان والبارون ديرلانجي

أضحى خميّس التّرنان من أشهر المراجع في التّراث الموسيقي منــذ أواسط العشرينات من القرن الماضي، ممّا جلب إليه اهتمام عالم الموسيقى الإنجليزي صاحـب قصـــر النّجمة الزّهراء بسيّدي أبي سعيد، البارون رودولف ديرلانجــي الذي كـان منشغــلا بقضــايا المــوسيــقى التــّونسيّـة ودراسة أصولها ووسائل النّهوض بها، فضمّه إلى مجموعة البحث الموسيقي التي كوّنها في سياق إعداده لكتابه المرجعيّ الشّهير عن الموسيقى العربيّة؛ وفي تلك الأثناء التقى بالشّيخ السّوري الكبير علي الدّرويش الحلبي الذي ســاهم في إعـداد الكتاب، فأفاد منه ولعلّه أخذ عنه التّدوين على الطريقة الغربيّة والعزف على النّـاي. وقد كان خميّس التّرنان ومعه محمّد غانم وعلي بن عرفة وخميّــس العــاتي ومحمد بلحسن ضمن التّخت التّقليدي للموسيقى التّونسيّة الذي أرسله البارون للمشاركة في مؤتمر الموسيقى العربيّة المنعقد بالقاهرة سنة 1932.

نشاطه في الرّشيديّة

إثـــر تأسيـــس الرّشــــيديّة في العـــام 1934، أشـرف خميّس التّرنان على تكوين المجموعة الصّوتية وأوكلت إليه مهمّة جمع تراث المالوف وتدوينـــه بالنّوتة المـوسيقيّة الغــربيّة مـــع محمد التّريكي ومحمد الحبيـــب العــامري. كما حفزته حــركيّة المـــؤسّسة الجـديدة على الإبداع وهو في سنّ الأربعين، فبدأ مرحلة جديدة وضع خلالها ألحانا مميّزة لا تزال تشغل ذاكرة التّونسيين وتتـــردّد على ألسنتهم؛ ولعلّ ما رسّخها لديهم ثراءُ بنيتها التي تجمع بين جذورها التونسيّة الأصيلة لفظا ونغما وبين التّأثيرات المشرقيّة. وظلّ طيلة حياته يؤلّف بين جماليتين تربطهما وشائج القرابة ووحدة الأصول في حسّ عميق وأسلوب فريد لعلّه ما ميّز الإضافة الإبداعيّة للرّشيديّة. وقد شملت إبداعاته الأشكــال التّقليــديّة للمــالوف كالنّــوبة والأشغال والقصائد والفونـــدوات ولحّن أغاني لشهيرات المطربات التّونسيّات مثل صليحــة وشبيلة راشد وعليّة وغيرهنّ. ويضيق المجال هنا دون ذكر كلّ ما أضافه إلى التّراث وحسبنا الإشارة إلى بعضه مثل «نوبة الخضراء» من شعر الطّاهر القصّار، وقد ألّف فيها بين بنائها التّقليدي التّونسيّ وبين مقام النّهاوند الشّرقي؛ وموشّح «طــاف بالصّهبـاء بدري» الذي جمع فيه طبع المزموم التونسي وإيقاع السّماعي الثّقيل التّركي؛ و»شنبر نوى» وهي قطعة موسيقيّة يلتقي فيها إيقاع الشّنبر التّركي بطبع النّوى التّونسي. ومن الأغاني الشّهيرة ما غنّته له المطربة صليحة مثل «يا لائمي يزّينّي»، كلمات علي الدّوعاجي و»غزالي نفـــر» لمحمّد المرزوقي وقد سلك فيهما مسلكا قـــريبا من «الفــوندو» التّقليدي، بينما جاءت قصيدة «يازهرة» من تلحينه وغنائه ومن كلمات محمد سعيد الخلصي، شرقيّة في إيقاعها ومقامها وكذلك أغنيّة «إذا تغيب عليّ يا ولفتي» من كلمات أحمد خير الدّين وغناء شبيلة راشد، حيث لحّنها في مقام «زنكولاه» الشّرقي ولكن بحسّ تونسي عميق. وقد نحا نحوه في تلك الرّؤية التّأليفيّة آخرون مثــل المرحوم صالح المهدي الذي لحّن نوبات مالوف في مقامات مشرقيّة (نوبة زنكولاه).

ظلّ الشّيــخ خميّس التّرنان يعلّم التّقاليد الموسيقيّة التّقليـــديّة في المعهــد الرّشيدي إلى أن أقعــده المـــرض في بداية السّتّينات من القــرن الماضي؛ وقد تخرّج على يده جيــل مـــن حملة لــواء المالوف والأغنية الأصيلة، منهم المرحــــوم الطّاهــر غرسة. وترك بعـــد وفــاته ذكرا عطرا لاشتهاره بالتّواضع ودماثة الأخلاق والإخلاص لأهله ولأصدقائه، وسيبقى إسمــه مقترنا بالفنّ التّونسيّ الأصيل الذي كان أحد أقطابه الكبار إذ حافظ على سماته العريقة وفتح له باب التّجديد فكان ـــ رحمه الله ـــ حلقة وصل متينة بين ماضي الموسيقى التّونسيّة وحاضرها واستحـقّ لقب شيخ الفنّـانين  التّونسيّين عن جدارة..

علي اللواتي

هل أعجبك هذا المقال ؟ شارك مع أصدقائك ! شارك
أضف تعليق على هذا المقال
0 تعليق
X

Fly-out sidebar

This is an optional, fully widgetized sidebar. Show your latest posts, comments, etc. As is the rest of the menu, the sidebar too is fully color customizable.