أخبار - 2017.04.21

ولايـــة‭ ‬سليـانــة‭: ‬ ونصيبي‭ ‬من‭ ‬التّنمية‭؟

ولايـــة‭ ‬سليـانــة‭: ‬ ونصيبي‭ ‬من‭ ‬التّنمية‭؟

تُمثّل ولاية سليانة، التّي أُحدثت في جوان 1974، أحد أضلاع إقليم الشّمال الغربي الأربعة، إلّا أنّها تتميّز عن الولايات الثّلاث الأخرى بموقعها الاستراتيجيّ في قلب البلاد التّونسيّة إذ تتوسّط سبع ولايات هي زغوان وباجة وجندوبة والكاف والقصرين وسيدي بوزيد والقيروان، وتربط بين ثلاثة أقاليم اقتصاديّة هي الشّمال الغربي والشّمال الشّرقي والوسط.وتمسح الولاية 4642 كلم2 ويبلغ عدد سكّانها 230 ألف ساكن وهي تتكوّن من 11 معتمديّة و86 عمادة.

تتميز الجهة خاصّة بعراقة تاريخها إذ تشهد المواقع الأثريّة الكثيرة في مختلـف منـاطقها على الحضارات المتعاقبة التّي مرّت بها ولا سيّما القرطاجيّة والرّومانيّة والبيزنطيّة، وقد كانت مركز حكم إقليميّ في جميع تلك المراحل. وقد شهدت مدينة جامة Zama Regia المعركة الشّهيرة بين القائد حنّبعل وشيبيون الإفريقي سنة 202 ق. م، ومعركة يوغرطة ضدّ ميتلوس. وكان لهذه الجهة حضور بارز في مختلف الأطوار التّي عاشتها تونس في العصر الحديث من ذلك مشاركة قبائلها في ثورة علي بن غذاهم 1864، ونبوغ أحد أعلامها وهو المؤرّخ والمصلح أحمد بــن أبي الضّيـاف (1802 ـ 1874) وإسهامه الطّلائعيّ في إذكاء حركة النّهـــوض والإصلاح في القرن التّاسع عشر.

ثمّ ساهمت الجهة في حركة المقاومة ضدّ الاستعمار الفرنسيّ منذ 1881 من خلال ثورة علي بن عمّار العيّاري. ولعلّ الأمر اللّافت للانتباه أنّ الأحداث التّي شهدتها الجهة سنة 1954 ثمّ سنة 1956 كان لها تأثير مباشر في حصول البلاد على استقلالها الدّاخليّ ثمّ على استقلالها التّامّ فقد كانت معركة جبل برقو في 13 نوفمبر 1954 التّي تكبّد فيها الجيش الفرنسيّ خسائر بشريّة فادحة سببا في الذّهاب بالمفاوضات بين الطّرفين التّونسيّ والفرنسيّ إلى إمضاء اتّفاق الحكم الذّاتيّ في 3 جوان 1955. وهي المعركة التّي كان يسمّيها الزّعيم بورقيبة معركة ربع السّاعة الأخير.

وأمّا الحادثة الثّانية التّي ظلّت مجهولة فهي حادثة اغتيال الأخوين Thomassin وهما معمّران ببلدة العروسة يوم 8 مارس 1956 للضّغط على سير المفاوضات التّي كانت انطلقت بباريس في 29 فيفري 1956 ممّا أجبر الوفد التّونسيّ المفاوض على العودة إلى أرض الوطن يوم 10 مارس، ولم يعد هذا الوفد ثانية إلى باريس إلّا يوم 20 مارس 1956 لإمضاء وثيقة الاستقلال التّامّ.

ولم يكن لإحداث هذه الولاية في البداية سوى انعكاسات إداريّة تمثّلت في بعث عدد من المصالح والإدارات الجهويّة، أمّا على المستوى الاقتصاديّ والاجتماعيّ فقد ظلّ نسق التّنميّة بطيئا في مختلف الفترات ولم يُمكّن من تحقيق تطلّعات أبناء الجهة في شتّى القطاعات والميادين. ويمكن تلخيص أبرز هذه التّطلّعات في المحاور التّالية:

تعصير البنية الأساسيّة

يظلّ تواضع البنية الأساسيّة للطّرقات عائقا أساسيّا من عوائق التّنميّة بالجهة وحائلا دون تطوّر حركة الاستثمار وبعث المشاريع، ولعلّ الأمر المثير للاستغراب أنّ بعض الطّرقات المصنّفة طرقات جهويّة مازالت أجزاء منها غير معبّدة (22 كلم من الطّرقات الجهويّة غير معبّدة) وكذلك الشّأن بالنّسبة إلى الطّرقات المحليّة (58 كلم غير معبّدة). أمّا المسالك الفلاحيّة فإنّ 1922 كلم منها ما يزال غير معبّد رغم أهميّة هذه المسالك في دفع القطاع الفلاحي وتحسين ظروف الإنتاج والتّرويج. وتبقى أهمّ التّطلّعات في هذا المجال مضاعفة الطّريق الوطنيّة رقم 4 وتعصيرها، وهو مشروع انطلق إنجازه مؤخّرا وسيمكّن من ربط مدينة سليانة بالعاصمة عن طريق الفحص بطريق سريعة عصريّة وسيكون بمثابة الميزة التّفاضليّة وحافزا إضافيّا للمستثمرين ورجال الأعمال ومسديي الخدمات للانتصاب بالولاية.

يُضاف إلى ذلك ضرورة ربط معتمديّات شمال الولاية بالطّريق السيّارة تونس- مجاز الباب- وادي الزّرقة بواسطة وصلات bretelles تربط مدينة بوعرادة بهذه الطّريق، وهذا قرار كان قد اُتُّخذ في أعلى مستوى من الدّولة سنة 2008.

أمّا الشّرايين الأساسيّة داخل الولاية فرغم التّحسينات التّي أُدخلت عليها في السّنوات الماضية مازالت في حاجة ماسّة إلى مزيد التّعصير ولا سيّما الطّريق الجهويّة 73 التّي تربط بين مدن قعفور وسليانة والوسلاتيّة، والطّريق الجهويّة 47 الرّابطة بين معتمديّات بوعرادة والعروسة وقعفور والكريب.

ومن نقائص البنية الأساسيّة داخل الجهة أنّ بعض الطّرقات التّي تصل عددا من المعتمديات بمركز الولاية ما تزال في وضعيّة رديئة من ذلك طــريق بورويس –سليانة وطـــريق بوعرادة– سليانة.

ورغم أنّ الولاية تتوسّط 7 ولايات أخرى فإنّ التّنقّل بين هذه المناطق المجاورة ما يزال صعبا في بعض الحالات، من ذلك أنّ الوصول إلى ولاية جندوبة يقتضي حاليّا المرور بولاية الكاف في حين أنّ تعصير الطّريق الرّابطة بين مدينتي الكريب وبوسالم عبر حمّام بياضة يمكن أن يُيسّر التّواصل بين الولايتين. أمّا الطّريق الرّابطة بين مركز الولاية ومدينة القيروان عبر الوسلاتيّة فتحتاج هي الأخرى إلى تدخّل عاجل لتعصيرها وتوسعتها. وكذلك الشّأن بالنّسبة إلى الطّريق الرّابطة بين ولايتي الكاف والقصرين عبر معتمديّات القصور والرّوحيّة وجدليان وسبيبة فما تزال رغــم أهميّتها طريقا غير عصريّة.

وعموما فإنّ محاور تطوير البنية الأساسيّة للطّرقات متعدّدة وتتطلّب تدخّلات عاجلة وفوريّة لأنّ وضعيّة الطّرقات داخل الولاية وفي مستوى الرّبط مع الولايات المجاورة لا تتلاءم مع الأهداف التّنمويّة الكبرى في دفع الاستثمــار والنّهوض بالتّشغيل.

معالجة مشاكل القطاع الفلاحيّ

غنيّ عن البيان أنّ النّشاط الاقتصادي الأبرز في الولاية هو النشّاط الفلاحيّ، ونجد في بعض النّصوص التّاريخيّة التّي تعود إلى القرن 19 إشارات إلى علاقة جهة سليانة بالفلاحة، فهذا أحمد بن أبي الضّياف يذكر في «الإتحاف» خبر مزاولة قبيلة أولاد عون للفلاحة السّقويّة في عهد حموّدة باشا (بين 1782 و1813) فيقول متحدّثا عن وادي سليانة: «فزرعوا على مائه البقول والمقاثي والثّمار حتّى تمرّنوا وذاقوا حلاوة الكسـب وكانت قبيلتهم تُركب نحو الألفي فارس ومع كلّ فارس راجل وجميعهم سلاحهم مُحلّى بالفضّة» (ج.3 ، ص. 83-84). أمّا القنصل الفرنسيّ Pellisier صاحب كتاب «وصف إيالة تونس» وقد دوّنه بين 1843 و1848 فيقول عن سهل سليانة: «وهذا السّهل خصب جدّا ومزروع بإحكام لدى أولاد عون» (الفصل 13، ص.147).

ورغم أنّ القطاع الفلاحيّ هو المرتكز الأساسيّ للاقتصاد الجهويّ فإنّه يطرح إشكاليّات كثيرة. ففضلا عن المشاكل الأربعة المُزمنة والمعروفة وهي الانجراف وعدم انتظام تساقط الأمطار وتشتّت الملكيّة ومديونيّة الفلّاحين، فإنّنا يُمكن أن نضيـــف إليها ثـــلاث إشكــاليّات أخرى وهي:

  • تعبئة الموارد المائيّة، فلئن بُذلت جهود واضحة في هذا المجال على امتداد سنوات عديدة أفضت إلى إقامة 3 سدود كبرى و38 سدّا تليّا و142 بحيرة جبليّة وتجهيز 281 بئرا عميقة و2230 بئرا سطحيّة فإنّ نسبة التّعبئة ظلّت تتراوح في الغالب بين 55 %و85% ، ولم تتجاوز كميّات المياه المعبّأة في السّدود والبحيرات 110 مليون متر مكعّب. وهي أرقام قابلة دون شكّ لأن تتحسّن لأنّ معدّل تساقط الأمطار بالجهة وشبكة أودية السّيلان يسمحان بإقامة المزيد من المنشآت المائيّة (سدّ على وادي تاسة بمنطقة عين عاشور من معتمديّة بورويس) بما يُمكّن من التّرفيع في حجم التّعبئة ونسبها وتجاوز عتبة الـ150 مليون متر مكعّب.
  • توسيع المناطق السّقويّة العموميّة، ذلك أنّ طاقة تعبئة الموارد المائيّة حاليا تفوق بكثير حجم المساحات السّقويّة، فالمُلاحَظ أنّ هذه المساحات لا تتجاوز فعليّا 16 ألف هكتار منها 9.5 آلاف هكتار مناطق سقويّة عموميّة، وهو رقم دون المأمول. فلا شكّ إذن أنّ المناطق السّقويّة العموميّة في حاجة متأكّدة إلى التّوسعة والتّدعيم خاصّة على السّدود التّليّة، إذ أنّ مجموع المياه المعبّأة في هذه السّدود يتجاوز 62 مليون متر مكعّب في حين لا نجد على هذه السّدود سوى 590 هكتارا من المناطق السّقويّة وهو نقص فادح يُغني عن كلّ تعليق (10 هكتارات فقط لكلّ مليون متر مكعّب من المياه!)
  • إحكام استغلال الأراضي الدّوليّة الفلاحيّة، فالمتابع لوضعيّة هذه الأراضي يُلاحظ أنّ 37 ألف هكتار منها تتوزّع بين شركات الإحياء والتّنمية الفلاحيّة SMVDA ومقاسم الفنّيين ومقاسم الفلّاحين الشّبّان، إلّا أنّ مردوديّة هذه الأراضي لم ترتق رغم خصوبتها وتوفّر إمكانيّات الرّيّ بها- إلى المستوى المأمول لأسباب عديدة يرجع بعضها إلى مقاييس إسناد هذه الأراضي وبعضها الآخر إلى عدم الالتزام بشروط الاستغلال الأمثل بما يدعو إلى مزيد إحكام مراقبة هذا الاستغلال وترشيده وتفعيل آليّة إسقاط الحقّ عند الاقتضاء.

تنويع القاعدة الاقتصاديّة

رغم المنزلة التّي يحتلّها القطاع الفلاحي في اقتصاديّات الولاية فإنّ منوال التّنمية الجهوي مدعوّ إلى أن يتحوّل من منوال القطب والدّائرة حيث تكون الفلاحة بمثابة المحور الذّي تدور في فلكه بقيّة القطاعات ولا تُتصوّر إلّا في علاقة به (صناعات تحويليّة للإنتاج الفلاحي خدمات في المجال الفلاحي...) إلى منوال الأقطاب المتكافئة فتستأثر الصّناعة والسّياحة والخدمات بمكانة مكافئة حتّى يتحقّق فعلا أحد أهداف التّنمية المتكاملة وهو تنويع القاعدة الاقتصاديّة.

ويلاحظ المتأمّل في وضع قطاع الصّناعة أنّــه ما يزال رغم الجهود الكبيرة التّي بُذلت لدفعه منذ عشريّتين تقريبا قطاعا ثانويّا، فالنّسيج الصّناعيّ وإن تطوّر نسبيّا فإنّه يظلّ نسيجا محدودا، والمناطق الصّناعيّة السّبع بالجهة لا تتجاوز مساحتها جميعا 70 هكتارا، وهي مساحة منطقة صناعيّة واحدة في أقاليم أخرى (في برنامج الوكالة العقّاريّة الصّناعيّة إحداث منطقة صناعيّة ثالثة بسليانة بـ 17 هك ومنطقة صناعيّة بالعروسة بـ10 هك).

ولا يضمّ النّسيج الصّناعيّ سوى 61 مؤسّسة قيمة استثماراتها الجمليّة 130 مليون دينار وتوفّر حوالي 7 آلاف موطن شغل من بينها 18 مؤسّسة مصدّرة كليّا و11 مؤسّسة مصدّرة جزئيّا تنشط خاصّة في مجالات الصّناعات الميكانيكيّة والكهربائيّة وصناعة النّسيج والصّناعات الفلاحيّة والغذائيّةوقد شهدت السّنة المنقضية إنجاز سبعة مشاريع صناعيّة جديدة باستثمارات فاقت 20 مليون دينار وبطاقة تشغيليّة بحوالي 150 موطن شغل من بينها وحدة لتعليب المياه المعدنيّة بسليانة الجنوبيّة ووحدة لصنع البطّاريّات ببوعرادة، في حين تتقدّم نسب إنجاز عشرة مشــاريع أخـرى بقيمة 21 مليون دينار ستُمكّــن من إحداث 360 مـوطن شغــل.

وتتلخّص العوامل الأساسيّة الكفيلة بتطوير هذا القطاع بالنّسق المطلوب في تعصير البنية الأساسيّة للطّرقات وإدخال المزيد من المرونة على مسالك التّمويل ومراجعة قانون 2007/12/27 الذّي أعاد تصنيف بعض المعتمديّات من مناطق تنمية جهويّة ذات أولويّة إلى مناطق تنميـة جهــويّة بما قلّص من حجم الحوافز والتّشجيعات المخَـوّلة لباعثي المشاريع بهذه المناطق، والعودة إلى تنظيـم أيّام الشّــراكة ودفع الاستثمـار التّي كانت مناسبة جيّدة للتّعريف بفرص الاستثمار بالجهة وتذليل الصّعوبات أمام الباعثين.

أمّا قطاع الخدمات فيبقى قطاعا ضعيفا بالولاية، فالجهة تعُدّ مثلا نزلا سياحيّا واحدا مصنّفا لم تتجاوز نسبة الإيواء بــه سنــة 2015 عتبة 7% وإقامة ريفيّة واحدة maison d’hôtes بعشرين سريرا. وأمّا في التّجارة فلا تعتبر الجهة ذات حركيّة مميّزة إذ أنّ تجّار الجملة في كامل الولاية لا يتجاوز عددهم 167 تاجرا. ولعــلّ ما يعكس هذا الرّكود الاقتصادي والخدماتيّ أنّ عدد الفروع البنكيّة في كافّة أنحاء الجهـــة لا يتجاوز 12 فرعا لستّة بنوك فقط دون اعتبار البنك التّونسيّ للتّضامن وبنك تمويل المؤسّسات الصّغرى والمتوسّـــطة. أمّا فــروع شركات التّأمين فهي 6 فروع فحسب. ولا يختلف الأمر في قطاع الصّحّة إذ أنّ جميع المؤشّرات دون المعـدّلات الوطنيّة بكثير، فالجهة تعدّ مستشفى جهويّا واحدا و8 مسثشفيات محليّة و88 مركز صحّة أساسيّا، أمّا عدد أطبّاء القطاع العامّ فهو 122 منهم 21 طبيب اختصاص و25 في القطاع الخاصّ منهم 7 أطبّاء اختصاص بما يُعطي تقريبا معدّل طبيب واحد لكلّ 4 آلاف ساكن (المعـــدّل الوطني طبيب لكل 600 ساكن).

ولعلّ المعالجة الجذريّة لإشكاليّات قطاع الصّحّة بالجهة في مستوى المؤسّسات والتجهيزات والإطار الطبّي وشبه الطبّي تكمن في إحداث مستشفى جامعيّ كامل الاختصاصات للتّغلّب على جملة هذه المشاكل.

وأمّا في التّعليم العالي فلا تعدّ الجهة سوى مؤسّستين همـــا المعهـــد العــــالي للدّراسات التّكنولوجيّة والمعهد العالي للفنون والحرف، ويبلغ عدد الطّلبة 1600 طالب، في حين كانت الوزارة قد برمجت سنة 2010 إحداث معهد عالٍ للإنسانيّات التّطبيقيّة بالجهة دون أن يتحقّق ذلك إلى حدّ الآن.

والمحصّل أنّ تنويع القاعدة الاقتصاديّة بالجهة يشترط تعصير البنية الأساسيّة للطّرقات على حو شامل ودعم منظومة الحوافز والتّشجيعات المخوّلة للمستثمرين بالمناطق الدّاخليّة وتطوير قطاع الخدمات وتعزيز مؤسّسات التّعليم العالي بما ينهض بمستوى الموارد البشريّة.

القطاعات الواعدة وفرص الاستثمار

تملك ولاية سليانة جملة من المقوّمات الأساسيّة والإمكانيّات الطّبيعيّة والبيئيّة والمخزون التّاريخيّ والحضاريّ بما يسمح بتطوير عديد القطاعات ويوفّر الكثير من فرص الاستثمار في مجالات واعدة جدّا شريطة استغلال هذه القدرات الكامنة على أفضل الوجوه ولا سيّما في السّياحة والموادّ الانشائيّة والصّناعات التّحويليّة.

ففي قطاع السّياحة توفّر الجهة إمكانيّات تسمح بتطوير خمسة أصناف من السّياحة البديلة وهي:

السّياحة الثّقافيّة: فالولاية تضمّ ما لا يقلّ عن 1800 موقع أثريّ منها معالم تاريخيّة على درجة بالغة من الأهميّة مثل آثار «مكتريس» وموقع «زاما» ومدينة «ميستي» بالكريب وموقع السّفينة بسليانة الجنوبيّة و»تيجيبا» أو حمّام الزّواكرة بمكثر وعين فرنة ببرقو وهنشير غيّاضة وغيرها، وقد تمّ منذ سنوات إحداث مسلك أوّل لتثمين هذه المواقع يسمّى «مسلك حنّبعل»، ثمّ أحدث مسلك ثان أُطلق عليه «مسلك فجر التّاريخ»، وتمثّل هذه المواقع النّادرة منتوجا سياحيّا قابلا للاستغلال إذا تضافرت جهود جميع المتدخّلين من وزارة السّياحة ووزارة الثّقافة ووكالات الأسفار وجامعة النّزل.

السّياحة البيئيّة: فالجهة تزخر بعديد المواقع الطّبيعيّة والغابيّة الغنيّة بالنّباتات النّادرة والحيوانات المتنوّعة وشلّالات المياه مثل محميّة جبل السّرج ومنطقة عين بوسعديّة بجبل برقو (بها مركز إقامة بثلاثين سريرا) ومنطقة كسرى العليا وجبل بوكحيل، وتحتاج هذه المناطق قدرا من العناية لتثمينها والتّعريف بها وتحسين الطّرقات المؤدّية إليها وتوفير الحدّ الأدنى من المرافق لجعلها قبلة للزوّار من الدّاخل ومن الخارج.

السّياحة الاستشفائيّة: يوجد بالولاية منبع للمياه السّخنة بحمّام بياضة من معتمديّة الكريب، وقد اهتمّ به منذ بضع سنوات مستثمر نمساويّ فشرع في تكوين مؤسّسة والقيام بدراسة لإنشاء وحدة سياحيّة استشفائيّة إلّا أنّه توفيّ في الأثناء فتعطّل المشروع، ويمكن الاستفادة من الدّراسة التّي أُعدّت في الغرض لاستئناف هذا المسعى.

السّياحة الجيولوجيّة: وهي سياحة أخذت في الانتشار والتّطوّر خلال السّنوات الأخيرة نظرا لوجود مغاور بجبل السّرج مصنّفة عالميّا لندرة وجودها، من أهمّها مغارة عين الذّهب التّي أصبحت ذات شهرة عالميّة واسعة، وهي عبارة عن نفق يتجاوز طوله الألفي متر في عمق جبل السّرج.

سياحة الصّيد: وهو صنف تقليدي ازدهر خاصّة في منطقتي طبرقة وعين دراهم، وعلى غرارهما تشهد الجهة توافد أفواج هامّة من الصيّادين على مناطق مختلفة ولا سيّما في مواسم صيد الخنزير البريّ أو خلال الحملات الإداريّة لمقاومة هذا الحيوان، غير أنّ الجهة تفتقر إلى الوحدات الفندقيّة أو الإقامات التّي تساعد على تشجيع هذا الضّرب من السّياحة.

أمّا القطاع الثّاني الواعد في الولاية فهو الموادّ الإنشائيّة، إذ يوجد بالجهة 66 موقعا من المدّخرات الإنشائيّة (19 من الحجارة الرّخاميّة 22 من الطّين- 11 من الكلس 9 من الرّمل 4 من الجبس- 1 للموادّ الأوّليّة لصناعة الإسمنت)، وهي مدّخرات تسمح بإقامة مشاريع صناعيّة متعدّدة من قبيل تفصيل الرّخام وصقله وصنع القطع الفسيفسائيّة وصنع القرميد والمربّعات الخزفيّة ومعالجة الرّمل السّلسي وصناعة البلّور الأجوف وغيرها.

ومن الأنشطة الواعدة في الجهة تحويل الإنتاج الفلاحي، إذ يوفّر هذا القطاع فرص استثمار حقيقيّة في صنع العجين الغذائيّ وصنع الورق من مادّة التّبن وصنع المربّى وعصير الغلال وإنتاج النّكهات الطّبيعيّة les aromes naturels والمضافات الطّبيعيّة les additifs naturels ومن جهة أخرى توفّر التّكنولوجيّات الجديدة للإعلاميّة والاتّصال NTIC فرصا جديّة للاستثمار والتّشغيل ولا سيّما في مجال صنع البرمجيّات، علما بأنّ الجهة يوجد بها مركز جهوي للعمل عن بعد. ومن شأن هذه الفرص الحقيقيّة أن تدفع حركة الاستثمار وتساهم بقسط وافر في التّقليص من حدّة البطالة التّي تبلغ نسبتها في أوساط حاملي الشّهائد العليا 24%.

من أجل تصوّر تنمويّ جديد

وإجمالا فإنّ لولاية سليانة مجموعة من المزايا التّفاضليّة التّي تجعلها مركز جذب للاستثمار منها موقعها الاستراتيجي في قلب الشّريط الوسيط بما يجعلها همزة وصل بين الشّريط الدّاخلي والشّريط السّاحلي، وقربها من العاصمة (120 كلم) وارتباطها بها عبر طريق عصريّة سريعة (بصدد الإنجاز) مع إمكان ربط معتمديّاتها الشّماليّة بالطريق السيّارة تونس مجاز الباب، يُضاف إلى ذلك ما تتوفّر عليه من إمكانات واعدة وموارد بشريّة مؤهّلة وهياكل للتّمويل والمساندة مثل ديوان تنمية الشّمال الغربي ODNO وشركة تنمية الاستثمار بالشّمال الغربيّ SODINO وبنك تمويل المؤسّسات الصّغرى والمتوسّطة BFPME ومناطق صناعيّة مهيّأة، بقي أن تتضاعف جهود الدّولة في مجال تعصير البنية الأساسيّة وتحسين مناخ الاستثمار ومراجعة منظومة الحوافز والتّشجيعات ودفع قطاع الخدمات.

ولكنّ الأهمّ من كلّ ذلك أنّ الجهة في حاجة إلى تصوّر تنمويّ جديد ورؤية مغايرة وشاملة لإشكالات التّنمية بهــا أكثر مــن حاجتها إلى تدخّلات جزئيّة وبــرامج منفصلة، فالولاية بالمزايا التّفاضليّة التّي أشرنا إليها وبمبدإ التّمييز الإيجابي الذّي ينصّ عليه دستور البلاد يمكن أن تنهض بدور القطب التّنمويّ الإقليميّ الذّي يُشعّ على محيطه القريب وأن تكون بمثابة التّجربة النّموذجيّة لتنمية المناطق الدّاخليّة وذلك بتعزيز البعد الإقليميّ الذّي كانت قد بدأت تصطبغ به عندما أرسيت بها جملة مــن الهــيـــاكل والمــؤسّســــات الإقليميّة. فــــولايـــة سليـانة يمكــن أن تكون قاطرة لدفــع التّنميـــة بالشّريــط الوسيط والإشعاع على الشّريط الدّاخليّ ولكن ذلك يبقى رهين الإرادة السّياسيّة الصّادقة والرّؤية الاقتصادية والتّنمويّة الثّاقبة.

الحبيب الدّريدي

هل أعجبك هذا المقال ؟ شارك مع أصدقائك ! شارك
أضف تعليق على هذا المقال
0 تعليق
X

Fly-out sidebar

This is an optional, fully widgetized sidebar. Show your latest posts, comments, etc. As is the rest of the menu, the sidebar too is fully color customizable.