شؤون عربية - 2017.04.18

محمد ابراهيم الحصايري: قـراءة‭ ‬في‭ ‬قـمّة "ولا‭ ‬تفـرّقوا"‭ ‬العربـيّة‮…‬

قـراءة‭ ‬فـي‭ ‬قـمّــة "ولا‭ ‬تفـــرّقـــوا"‭ ‬الــعـربـــيّــة‮…‬

في مقال يحمل عنوان «مشلول الماراتون والقمّة العربية» أورد كاتبه وليد عبد الحي إحصائيات مفزعة عن الخلافات والصراعات التي عرفتها الدول العربية منذ أواسط القرن الماضي، فيما يلي ملخّصها:

1 - تعرضت الدّول العربية فيما بين 1947 و2010 للتّهديد الأمني من قبل بعضها البعض بشكل مباشر أو غير مباشر 37 مرّة أي بمعدّل مرّة كل 1.7 سنة.

2 - شهدت منطقة الشرق الأوسط في مرحلة ما بعد غزو العراق عام 2003 إلى ما قبل اندلاع موجة الثّورات العربيّة، ما يقرب من 76 حالة صراعيّة تراوحت بين صراعات مكشوفة، وأزمات عنيفة، وتوتّرات حادّة كامنة قابلة للانفجار في أي وقت وهي تتوزّع كما يلي:

9 صراعات ذات جوانب دولية، 12 صراعا إقليميا، 40 صراعا داخليا، 15 حالة صراعية تتعلق بنزعات انفصال أو حكم ذاتي...

3 -  تتوزّع  صراعات المنطقة العربية من حيث مداها الزمني كما يلي:

30 صراعا مستمّرا لمدّة تجاوزت 30 سنة، 8 صراعات مستمرّة لأكثر من 20 سنة، 11 صراعا مستمرّا لأكثر من 10 سنوات تقريبا، 6 صراعات تجاوزت خمس سنوات، 27 صراعا مستمرّا لأكثر من سنة.

قد رأيت أن أستهلّ مقالي هذا بهذه الإحصائيات لأن منظّمي القمّة العربية بعمّان أو ما اصطلح عليه بـ«قمّة البحر الميّت»، اختاروا لها أن تنعقد تحت شعار «ولا تفرّقوا» المستلهم من الآية الكريمة «واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرّقوا» وكأنَّ العرب موحّدون وَيُخْشَى عليهم من التفرّق بينما هم في الواقع «بأسهم شديد بينهم، تحسبهم جميعا وقلوبهم شتّى».

ومع ذلك، وعلى افتراض أن العرب موحّدون فعلا، وَيُخْشـَى عليهم من التفرّق فإن السؤال الذي لا مناص من طرحه هو هل جاءت النتائج التي تمخّضت عنها القمّة متساوقة مع مقتضيات الشّعار الذي انعقدت تحته؟

وفي رأيي فإنّ «تشريح» البيـان الصادر عن القمّة لا ينبئ بأنّ حصادها يرتقي إلى مستوى التحديات الجسيمة التي حرص القادة العرب على تعدادها في مستهلّ البيان حيث سجّلوا أن قمّتهم «التأمت في ظرف عربي صعب، فثمّة أزمات تقوّض دولا وتقتل مئات الألوف من الشعوب العربية وتشرّد الملايين من أبناء أمّتنا لاجئين ونازحين ومهجّرين، وانتشار غير مسبوق لعصابات إرهابية تهدّد الأمن والاستقرار في المنطقة والعالم. وثمة احتلال وعوز وقهر وتحديات سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية تدفع باتجاه تجذير بيئات اليأس المولّدة للإحباط والفوضى والتي يستغلها الضلاليون لنشر الجهل ولحرمان الشعوب العربية من حقّها في الحياة الآمنة الحرة والكريمة».

وقد أكّدوا «أن حماية العالم العربي من الأخطار التي تحدّق به، وأنّ بناء المستقبل الأفضل الذي تستحقّه شعوبهم يستوجبان تعزيز العمل العربي المشترك المؤطّر في آليات عمل منهجية مؤسّساتية والمبني على طروحات واقعية عملية قادرة على معالجة الأزمات ووقف الانهيار ووضع أمّتهم على طريق صلبة نحو مستقبل آمن خال من القهر والخوف والحروب ويعمّه السلام والأمل والإنجاز»، غير أن المواقف والقرارات التي خرجوا بها من القمّة حَفَلَتْ بجملة من الهَنَات التي ليس من شأنها أن تساعد على مواجهة التحديات الماثلة، بل إنها قد تفاقمها...

وفيما أرى يمكن إجمال أبرز هذه الهنات في النقاط الخمس التالية:

1 - القصور البيّن عن إدراك متطلّبات التّعاطي مع متغيّرات الواقع المحلّي والإقليمي والدولي الراهن، وهو ما يظهر بكل وضوح في استمرار القادة في مقاربة قضية العرب المركزية أي القضية الفلسطينية بنفس الأسلوب المتقادم وعلى نفس الأسس المتهالكة.

فلقد أعاد  البيان الأدبيات الجامدة المتعلّقة بهذه القضية المتحرّكة بلا انقطاع إذ أكدوا «استمرارهم في العمل على إعادة إطلاق مفاوضات سلام فلسطينية إسرائيلية جادّة وفاعلة تنهي الانسداد السياسي وتسير وفق جدول زمني محدّد لإنهاء الصّراع على أساس حلّ الدولتين الذي يضمن قيام الدولة الفلسطينية المستقلة على خطوط الرابع من حزيران عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية والذي يشكّل السّبيل الوحيد لتحقيق الأمن والاستقرار».

ولست أدري إن كان القادة العرب يجهلون أو يتجاهلون أن الدولة الفلسطينية المستقلة التي يتحدّثون عنها بات من المستحيل أن تقوم، إن قامت، بالمواصفات التي عدّدوها لا سيما في ظلّ ما أطنبوا في الإعراب عن رفضه من «الخطوات الاسرائيلية الآحادية التي تستهدف تغيير الحقائق على الأرض وتقوّض حلّ الدولتين»، ومن «الإجراءات التي تتّخذها إسرائيل لتغيير الوضع القانوني والتاريخي في المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس».

على أن الأدهى من ذلك أنّهم لم يجرؤوا حتى على تسمية الأشياء بأسمائها، فهم يطالبون في بيانهم «دول العالم بعدم نقل سفاراتها الى القدس أو الاعتراف بها عاصمة لإسرائيل»، في حين أنهم يعلمون علم اليقين أن الدولة الوحيدة التي تتأهب لنقل سفارتها إلى القدس هي الولايات المتحدة الأمريكية التي قرّروا، بدلا من تنبيهها إلى خطورة الإقدام على هذه الخطوة، أن «يحجّ» إليها ثلاثة منهم لـ«يبشّروا» رئيسها «غير العادي» دونالد ترامب الذي أبدى قبل أيام قليلة موافقته على دفن حلّ الدولتين وتصميمه على نقل السّفارة الأمريكية إلى القدس... بأنهم مستعدون لأن يصالحوا اسرائيل «مصالحة تاريخية» وأن يوفّروا لها «الأمن والقبول والسلام» إن قبلت بمبادرة السلام العربية التي كانت رفضتها رفضا قاطعا منذ لحظة تبنّيها الأولى في بيروت قبل عقد ونصف العقد من الزمن...

ولقد جاء الرّدّ الإسرائيلي على هذا التّنازل العربي الجديد سريعا إذ أعلنت الحكومة الإسرائيلية عن إقامة مستوطنة جديدة في الأراضي الفلسطينية المحتلّة لأوّل مرّة منذ عشرين سنة...

وعلى نفس الغرار، فإن الانزياح هائل بين تعاطي القمّة مع الأزمة السورية وبين الواقع الميداني والسياسي الجديد في سوريا، فالقادة العرب مازالوا يصرّون إصرارا على أن مسار جنيف «يشكّل الإطار الوحيد لبحث الحلّ السلمي» للأزمة السورية، أما «محادثات أستانا» فإنهم «يلحظون» فقط أهميتها في «العمل على تثبيت وقف شامل لإطلاق النار على جميــع الأراضــي السورية»، وكأنّهم بذلك لا يعون أن التوازنات في المنطقة تغيّرت، أو هي بصدد التغيّر، وأن المعادلات الناشئة الجديدة تستوجب منهم مراجعة مواقفهم من هذه الأزمة ومن غيرها من الأزمات وبؤر التوتّر في الدول العربية.

2 - الاهتمام بالفرع أكثر من الأصل أو بالنّتيجة أكثر من السّبب: ويظهر ذلك أيضا ومرّة أخرى في التّعاطي مع الأزمة السورية حيث أن القادة العرب اهتموا بمشكلة اللاجئين السّوريين أكثر من اهتمامهم بالوضع المأساوي الذي يعيشه الشعب السوري، فحثّوا «المجتمع الدولي على الاستمرار في دعم الدّوّل المستضيفة للاجئين السوريين» ودعوا الى «تبنّي برامج جديدة لدعم دول الجوار السوري المستضيفة للاجئين في مؤتمر بروكسل «الذي انعقد في الخامس من شهر أفريل 2017» كما اعتبروا «أن المساعدة في تلبية الاحتياجات الحياتية والتعليمية للاجئين استثمار في مستقبل آمن للمنطقة والعالم».

ومن هذا المنطلق كلّفوا مجلس الجامعة على المستوى الوزاري ببحث وضع آلية محدّدة لمساعدة الدول العربية المستضيفة للاجئين بما يمكّنها من تحمّل الأعباء المترتّبة على استضافتهم.

والله نسأل ألا يتّفتّق ذهن المجلس عن خلق وكالة لغوث وتشغيل اللاجئين السوريين كما تفتق ذهن الأمم المتحدة، ذات يوم، عن خلق وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين.

3 - الازدواجية الفجّة في التّعامل مع ظاهرة الإرهاب: ويظهر ذلك في صمت القادة العرب المطبق عن الفظائع التي ترتكبها التنظيمات الإرهابية في سوريا، وفي المقابل التّشديد على «دعمهم المطلق للعراق الشّقيق في جهوده للقضاء على العصابات الإرهابية وتحرير مدينة الموصل من عصابات داعش»، وتثمينهم «للإنجازات الكبيرة التي حقّقها الجيش العراقي في تحرير محافظات ومناطق عراقية أخرى من الإرهابيين» وكذلك في التأكيد على «وقوفهم مع الأشقّاء الليبيين في جهودهم لدحر العصابات الإرهابية واستئصال الخطر الذي يمثّله الإرهاب على ليبيا وعلى جوارها».

4 - التّناقض الصّارخ في الموقف من دول الجوار: وبالتحديد من تركيا وإيران...

وفي هذا الصّدد، يُلَاحظ أن القادة العرب الذين أغمضوا أعينهم وأغلقوا آذانهم عن التّدخّل التركي في سوريا، أعادوا التأكيد في بيانهم «على إدانة توغّل القوات التركية في الأراضي العراقية، ومطالبة الحكومة التركية بسحب قواتها فورا دون قيد أو شرط باعتباره اعتداء على السيادة العراقية، وتهديداً للأمن القومي العربي» كما دعوا «الدول الأعضاء في الجامعة إلى أن تطلب من الجانب التركي بموجب العلاقات الثنائية سحب قواته من الأراضي العراقية»... والأعجب من ذلك هو أن هذا «اللين الفائق والأدب الجمّ» في مخاطبة تركيا، تقابله لهجة شديدة حاسمة حازمة في مخاطبة إيران، فهنا يرفض القادة العرب «كل التدخلات في الشؤون الداخلية للدول العربية»، ويدينون «المحاولات الرّامية إلى زعزعة الأمن وبثّ النعرات الطائفية والمذهبية أو تأجيج الصراعات وما يمثله ذلك من ممارسات تنتهك مبادئ حسن الجوار وقواعد العلاقات الدولية ومبادئ القانون الدولي وميثاق منظمة الأمم المتحدة».

5 - استمرار التّعامل بعقليّة انصر أخاك القويّ على أخيك الضّعيف ظالما أو مظلوما: ويظهر ذلك في الموقف من اليمن السعيد اسما، التعيس واقعا، فقد جاء في البيان بخصوص هذا البلد المنكوب الذي كان يفترض أن يحتضن القمة لولا الحرب المتواصلة فيه وعليه منذ أكثر من سنتين، أن القادة العرب أكدوا أنهم «يساندون جهود التحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن وإنهاء الأزمة اليمنية على أساس المبادرة الخليجية وآلياتها التنفيذية ومخرجات مؤتمر الحوار الوطني، وقرار مجلس الأمن 2216 عام 2015 وبما يحمي استقلال اليمن ووحدته ويمنع التّدخّل في شؤونه الداخلية، ويحفظ أمنه وأمن دول جواره الخليجية، ويثمّنون مبادرات إعادة الإعمار التي ستساعد الشعب اليمني الشقيق في إعادة البناء».

وإنّه لمن المفارقات الغريبة أن يتحدّث بيان القادة العرب عن إعادة الإعمار وإعادة البناء في اليمن، في الوقت الذي ترتفع فيه أصوات منظّمة الأمم المتحدة وهيئاتها المتخصّصة محذّرة من مخاطر انتشار المجاعة والأوبئة فيه، لا سيما مع التّمادي في محاصرته برّا وبحرا وجوّا ومواصلة قصفه المزدوج عربيّا وأمريكيّا...

وعَوْدا على بدء... وفي ضوء هذا «التّشريح» الضّافي، أعتقد أنه من حقّنا أن نعيد القول كما قلنا في البداية إن العرب، مع الأسف الشديد، «بأسهم شديد بينهم، تحسبهم جميعا وقلوبهم شتّى»، ومن أعمق الأعماق نسأل الله ألا يزداد بأسهم بينهم وألا يـزدادوا تشتّتا بعد قمة «ولا تفــرّقوا»... آمين...

محمد ابراهيم الحصايري

هل أعجبك هذا المقال ؟ شارك مع أصدقائك ! شارك
أضف تعليق على هذا المقال
0 تعليق
X

Fly-out sidebar

This is an optional, fully widgetized sidebar. Show your latest posts, comments, etc. As is the rest of the menu, the sidebar too is fully color customizable.