أخبار - 2017.01.24

في أربعينية المرحوم محمد المغربي: تحية إلى روح الفقيد

في أربعينية المرحوم محمد المغربي: تحية إلى روح الفقيد

غيّب الموت يوم 17 ديسمبر الماضي محمّد المغربي إثر مرض عضال وبرحيله فقد قطاع الإعلام والاتصال وجها بارزا من وجوهه، يُشهد له بالكفاءة العالية والتجربة المهنيّة الثريّة.

جمعتني بالفقيد علاقات مـــودّة عزّزتها صداقــات مشتركة، مـنـــذ أن اضطلعـــت في تسعينات القرن الماضي بمهامّ المدير العام لمؤسسة الإذاعة والتلفزة التونسية، وهي المؤسسّة التي كان فيها للمرحوم محمّد المغربي حضور لافت ودور مهمّ حينما أشرف على إدارة البرمجة فيها في فترة السبعينات، فكان راعيا ومؤطّرا لطاقات شابّة متعلّمة أخذت عنه قواعد العمل التلفزي.

عضوا بالمجلس الأعلى للاتصال بصفتي تلك، اكتشفت لدى الرجل، بعد تعيينه كاتبا عاما لهذه الهيئة الاستشارية، صرامة أسلوبه في إعداد الوثائق وترتيب الجلسات، فضلا عن اتساع خبرته ومتانة ثقافته وحسن تعامله مع الناس. وتلك خصال أهّلته ليكون مديرا للإعلام بجامعة الدول العربية عند استقرارها بتونس من سنة 1979 إلى سنة 1990 وأحد الأعضاد المقربيّن لأمينها العام الأستاذ الشاذلي القليبي.

وقد نهض الراحل بتلك المهمّة باقتدار، فاستطاع من خلال شبكة واسعة من العلاقات في المجال الإعلامي على الصعيدين العربي والدولي أن ينشر آنذاك رسائل الجامعة ومواقفها إزاء قضايا حارقة كالقضية الفلسطينية والحرب العراقية الإيرانية والحرب الأهلية اللبنانية ومسائل جوهريّة أخرى كالحوار العربي الأوروبي وعلاقات العالم العربي بالغرب.

وتسنّى لي أن أعرف محمّد المغربي عن قرب عندما ترأّست من جوان 1997 إلى موفّى 1998 المجلس الأعلى للاتصال فكانت لنا جلسات يوميّة وقفت خلالها على كبير درايته بالشأن الاتصالي وعمق ثقافته التي ارتوت من عيون الأدب الفرنسي والعلوم الإنسانية وكذلك على تمكّنه من لغة موليار. وكم كنت استلذّ في لقاءاتنا تلك ما كان يصوغه من جمل رشيقة بلغة فرنسية راقية، تعبيرا عن موقف أو عن رأي.

وتجدّد لقاؤنا في رحاب اتحاد إذاعات الدول العربية لمّا توليت إدارته العامة من سنة 1999 إلى سنة 2006، وكان مستشارا لدى رئيس مؤسّسة الإذاعة والتلفزة التونسية، وكذلك في إطار المؤتمر الدائم للوسائل السمعية البصرية في حوض البحر الأبيض المتوسط الذي استعان بخبرته لإعداد مشروع قناة تلفزية أورومتوسطيّة متعدّدة اللغات. وقد تحمّس المرحوم كثيرا لإنشاء هذه القناة التي كان يرى فيها أداة لدعم أسس الحوار بين الثقافات وإشاعة قيم الانفتاح والتسامح وقبول الآخر، مثلما سعى جاهدا من قبل من أجل مساهمة القنوات العمومية العربية في رأس مال الشبكة الإخبارية الأوروبية «أرونيوز» لحملها على اعتماد العربية في نشراتها إلى جانب لغات أخرى.

بعد إحالته على التقاعد ظلّ المرحوم محمّد المغربي-إلى أن أقعده المرض العضال- متابعا يقظا لما ينشر ويبثّ في وسائل الإعلام في الداخل والخارج، وثيق الصلة بأصدقائه، حريصا على تقديم النصح والمشورة لزملائه، فقبِل الانضمام إلى هيئة تحرير مجلّة ليدرز العربيّة عند تأسيسها.

كانت وصيّته أن يُدفن في مقبرة منّوبة، إلى جانب رفيقة دربه نزيهة الزيدي المغربي، المرأة التي أحبّها بكلّ جوارحه منذ أن عرفها مذيعة تلفزية، مثقّفة، مرهفة الحسّ والتي بادلته نفس المشاعر الجيّاشة فانعقدت بينهما عشرة ملؤها الصفاء والمودّة والرحمة، عشرة لم تنفصم حتّى بعد رحيل نزيهة التي ظلّ طيفها متعلّقا به، ساكنا فيه، يرفرف فوق بيت حرص على ألّا يغيّر في ترتيبه شيئا وفاءً لذكراها إلى أن تأخذه يد المنون إلى جوارها في عالم الخلد.

غادرَنا محمّد المغربي بهدوء، تاركا لدى أهله وخلّانه وزملائه جميل الذكرى وجليل الأثر. تغمّده الله بواسع رحمته وغفرانه وأسكنه فراديس جنانه.

«يٓا أٓيّٓتُهٓا النٓفْسُ المُطْمٓئِنّةٓ ارْجِعِي إِلٓى رٓبِّكـِ رٓاضِيَةً مَرْضِيّٓةً فٓادْخُلِي فِي عِبٓادِي وٓادْخُلِي جَنَّتِي».

صدق الله العظيم.

عبد الحفيظ الهرقام

هل أعجبك هذا المقال ؟ شارك مع أصدقائك ! شارك
أضف تعليق على هذا المقال
0 تعليق
X

Fly-out sidebar

This is an optional, fully widgetized sidebar. Show your latest posts, comments, etc. As is the rest of the menu, the sidebar too is fully color customizable.