شؤون وطنية - 2016.11.15

عادل كعنيش: هل هنــــاك أزمـة ميـاه في تونس؟

عادل كعنيش: هل هنــــاك أزمـة ميـاه؟

قضية المياه في تونس قضية أزلية، لقد طرحت منذ العصور القديمة ذلك ان حصة الفرد التونسي من المياه لا تتعدى حجما مُعيّنا، وقد بلغ هذا الحجم خلال السنوات الأخيرة 500 متر مكعب للفرد في السنة وتعتبر تونس من البلدان التي تعاني فقرا في المياه باعتبار ان المعدل السنوي للفرد في البلدان الممطرة هو 700 متر مكعب.

تصنف تونس حينئذ في عداد البلدان التي يندر فيها نزول الأمطار ذلك أنّها تشهد ثلاث أو أربع سنوات ممطرة تعقبها ثلاث سنوات متوسّطة الأمطار ثم ثلاثة سنوات جفاف، بينما تعيش البلاد كل ثلاث عقود فيضانات كبيرة كثيرا ما تلحق أضرارا بالطرقات وسائر المرافق.

تقول المراجع التاريخية إن قرطاج شهدت جفافا تواصل خمس سنوات من سنة 123م إلى 128م، وكانت آنذاك حاجيات سكان قرطاج من المياه الصالحة للشراب توفرها الآبار والخزّانات المائية والمواجل الموجودة بكل منزل تقريبا. ولكن نتيجة لانحباس المطر تأزم الوضع وأصبح يهدّد الإنسان والحيوان، في ذلك الوقت كانت قرطاج محتلة من طرف الرومان فقرر إمبراطور روما أدريان أن يزورها، وبحلوله انهمرت الأمطار بغزارة كبرى فعم الاستبشار وادخل ذلك الغيث الفرح الكبير على سكان قرطاج.

لذلك اعتبروا أن زيارة أدريان كانت طالع خير عليهم.

قص أعيان قرطاج على الإمبراطور معاناتهم من الجفاف فأمر بإقامة الحنايا التي تجلب المياه الصالحة للشراب من زغوان وجوقار وتلتقي القناتان في منطقة مقرن لتنصهر في قناة واحدة تمتد على مسافة 132 كلم.

استمرّت إقامة الحنايا حوالي 12 سنة وبفضلها ضمنت قرطاج تدفق المياه الصالحة للشراب عليها وكان حجم الماء الذي يتدفّق عن طريق هذه الحنايا متراوحا بين 28 و32 الف متر مكعب في اليوم ممّا وفّر في ذلك الوقت حاجيات هذه المدينة.

هذه الحنايا ظلت على مر السنين تقوم بدورها وتعطلت في بعض الأوقات نتيجة الغزوات التي عاشتها البلاد، ولكن في القرن الثالث عشر ميلادي أدخل عليها الحفصيون تفرّعا لتونس فأصبح جزء هام من مياه زغوان يذهب إلى العاصمة وخاصة الى رحاب جامع الزيتونة المعمور، لكن مع مرور السنين تراجع دور الحنايا فأهملت وتوقف استعمالها حتى بدأ الفرنسيون يتوافدون على تونس ونصحوا الباي بإعادة ترميمها وهو ما تمّ بالفعل سنة 1861 لتصبح من جديد وسيلة لإيصال المياه إلى السكان، وقد قام خير الدين باشا سنة 1872 بإعطاء لزمة لاستغلال توزيع المياه لشركة ضمت 3 جنرالات وهم البكوش ورستم ومحمد حسين وكانت كلفة الاستغلال تقدرّ بحسب عدد سكّان كل منزل لأنه لم يقع بعد اختراع العداد.

هذه الشركة لم تعمر طويلا، فقد أفلست نتيجة سوء التصرف وعادت العائلة التونسية تعيش على مياه الآبار والمواجل، وعند الجفاف يقع الرجوع إلى الڤرباجي الذي يوصل المياه إلى المنازل وهي متأتيّة من الآبار العمومية وذلك كما هو الشأن بالنسبة لمواجل صفاقس التي بناها الناصر باي وتعرف بمواجل الناصرية أو المياه الموجودة بفسقية الأغالبة بالقيروان.

كان موضوع المياه الصالحة للشراب من بين المشاكل التي واجهها الاستعمار عند انتصابه بالبلاد التونسية، وقام سنة 1925 ببناء سد وادي الكبير قرب تونس وقد استغرق بناؤه عشر سنوات كاملة ولكن بعد الحرب العالمية الثانية خصصت فرنسا جزءا من الاعتمادات التي وفّرها مشروع مارشال لمستعمراتها فأقامت مجموعة من السدود كسد وادي ملاق قرب الكاف لحماية جندوبة وسد بني مطير وسد العروسة وقد ساهمت عملية بناء هذه السدود في إثراء الكثير من الناقلين التونسيين الذين ربحوا أموالا طائلة من هذا النشاط وهو ما ساعدهم فيما بعد على أن يغّيروا نشاطهم من ناقلين إلى مقاولين وذلك في بداية الخمسينيات.

يوجد اليوم في تونس 34 سدّا بقدرة تجميع تصل إلى 1,9 مليار متر مكعب ويعتبر سد سيدي سالم الموجود قرب تستور من أكبر السدود بالبلاد التونسية.

لقد توالت عملية إقامة السدود منذ السبعينات فأُقيم اثر ذلك سد سيدي سالم وسد نبهانة وكانت عملية البناء تقوم طبق تخطيط علمي كبير أشرف عليه وزير الفلاحة السابق المرحوم الأسعد بن عصمان وواصله من بعده كاتب الدولة المسؤول عن الثروة المائية السيد عامر الحرشاني.

والى جانب السدود وقع إقامة الكثير من البحيرات الجبلية وحفر الآبار للمياه الجوفية بكل الولايات تقريبا، وقد ارتفع عدد الآبار التي حفرت بكل ولاية من 10 آبار إلى ان بلغ حوالي 30 بئرا في بعض الأوقات مما ساهم في انتشار الزراعات السقوية بسليانة وسيدي بوزيد والمهدية و غيرها من الولايات.

تبلغ الموارد المائية السنوية اليوم في البلاد التونسية حوالي 4503 ملايين متر مكعب في حين ان حاجيات البلاد تصل الى 4800 مليون متر مكعب اي انّه ثمّة نقص يقدر بحوالي 300 الف متر مكعب سنويا.

ولكن اين تذهب كل هذه المياه؟

تقول الإحصائيات إن هناك 3600 مليون متر مكعب تذهب للفلاحة، بينما يخصّص 400 مليون متر مكعب للشراب وتستأثر الصناعة بحوالي 400 مليون متر مكعب ومن البديهي أن نتساءل عن الجدوى من الكميات الضخمة المستهلكة في القطاع الفلاحي والحال أنّ فلاحتنا ليست لها المردودية التي تمكّنها من تحقيق الاكتفاء الغذائي.

وهنا يكمن موطن الضعف في المنظومة المائية التي تفرض تغيير طريقة الرّي واعتماد الرّي قطرة قطرة حتى لا تضيع الموارد المائية دون مردود وتجميع الفلاحين في جمعيات تصرّف مائي.
لقد دخلت تونس منذ عقود تجربة الجمعيات المائية، وتوجد اليوم حوالي 3000 جمعية مائية تتولى توزيع 70% من المياه على المناطق السقوية، وقد اعترى في بداية التجربة هذه الجمعيات الكثير من التجاوزات ويمكن القول إنه يوجد اليوم ألف جمعية مائية يقع التصرف فيها بطريقة مثلى وألف جمعية مائية متوسطة من حيث التسيير و1000 جمعية الباقية على وضع سيء للغاية وهو ما يفقدها دورها لأن تخلّف بعض الفلاحين المستعملين للمياه عن خلاص فاتورات استغلالهم يؤدي الى انقطاع الماء حتى على بقية الفلاحين الذين سّددوا معاليم اشتراكهم وهنا تكمن معضلة الجمعيات المائية التي تضم بعض الفلاحين المتقاعسين.

تعتمد الجمعيات المائية في توزيعها لحصة المياه على الفلاحين على طرق مختلفة من بينها طريقة قديمة ابتكرها ابن شباط وهذه الجمعيات هي عبارة عن شركات صوناد صغيرة الحجم تتزوّد بالمياه من السدود وتتولى توزيعها على الفلاحين مقابل مساهمات يدفعونها لقاء استهلاكهم، وكثيرا من هذه الجمعيات المنظّمة بشكل جيّد يقع استيعابها لاحقا من طرف شركة الصوناد.

ما يوجد اليوم من سدود وبحيرات جبلية وآبار، يجعل حاجيات البلاد من المياه متوفرة بدون مخاطر تذكر، لكن ما هي أسباب الاضطراب في عملية التوزيع وانقطاع المياه عن بعض الجهات لأوقات طويلة.

يقول الأخصائيون إن هذا الانقطاع ليس ناتجا عن ندرة المياه بالسدود وإنّما ناتج عن عدم استكمال إقامة المنظومة المائية وذلك بوضع قنوات بين هذه السدود حتى يُزّودَ سّد معين في حالة جفاف بمنطقة معينة من المياه المتوفرة بالسدود الأخرى، وقد رصدت الاعتمادات المالية لإقامة هذه القنوات وتحصلت تونس على قرض قيمته سبعمائة مليون دينار لربط هذه السدود ببعضها حتى لا يجف سدّ معّين في حين ان المياه موجودة بالسدود الأخرى، لكن سُجل تأخر كبير في استكمال إقامة هذه القنوات نتيجة للأوضاع التي عاشتها البلاد منذ سقوط النظام السابق.

الخطة التي وضعت من أجل إقامة منظومة مائية متكاملة هي خطّة ستوفّر للبلاد التونسية حاجياتها من الماء حتى آفاق سنة 2030 شريطة استكمال عمليات الربط بين السدود وإقامة مصانع لتحلية المياه بكل من صفاقس وقابس مما يجعل البلاد في مأمن من أي أزمة جفاف.

هذا الوضع الجيد لا يجب أن يحجب على المسؤولين الحاليين ضرورة وضع خطة جديدة لما بعد سنة 2030 خاصة وأنه ثمّة متغيرات مناخية ستشهدها منطقة البحر الأبيض المتوسط خلال العقود القادمة، ستؤثر على الموارد المائية المتأتية من الأمطار.

لقد وقع التهويل في الأشهر الماضية في قضية الجفاف، وهناك من اتهم غيره قائلا إن وزارة الفلاحة كانت تعمل دون خطة محدّدة ولكن هذا الأمر مخالف للحقيقة، فتونس تعتبر من البلدان التي استغلت بشكل جيّد مواردها المائية وبإمكانها أن تحسّن هذه الموارد لأن نصف مياه وادي مجردة تقريبا لا يزال يذهب إلى البحر.

الرأي العام ينظر لقضية المياه بنظرة مخالفة للواقع، فهو يشتكي من انقطاع المياه وكذلك من جودتها وهو ما يفسر ارتفاع إقباله على استهلاك المياه المعلّبة حيث وصل استهلاك الفرد التونسي السنوي حوالي 120 لترا، وهو حجم مرتفع يؤكد فعلا أن المواطن لم يعد  يُقبل على شرب مياه الحنفية، بل كثيرا ما يستعمل هذه المياه لعمليات التنظيف وغسل السيارات وريّ الأراضي والحدائق وهي سلوكيات يتعيّن مراجعتها بالإقدام على تحسين جودة المياه من جهة وإقناع المواطن بأن الماء الذي يجري في الحنفيات ليس مُعدّا للريّ أو التنظيف، وقد أقدمت بعض البلدان على وضع شبكات تخصّ المياه التي تستعمل في هذه الغايات.

عمليات التحسين لا يمكن ان تضطلع بها شركة الصوناد التي هي موزعة وليست مسؤولة على جيب المواطن ولكن على مؤسسات المجتمع المدني التفكير في بعث جمعيات تحسيسية لإقناع المواطن لتغيير هذه السلوكيات والتفكير في وضع شبكة مياه خاصة تستعمل للتنظيف والري داخل المدن والتجمعات السكنية.

لقد تعاملت بعض الدول التي تشبهنا من حيث ندرة المياه مع هذه القضية وفرضت على كل فرد يريد إقامة منزل خاص او عمارة تجهيزه بخزان كبير لتجميع مياه الأمطار وذلك على غرار ما كان موجودا بمنازل التونسيين في القديم وهي المواجل، وتكمن أهمية هذه المواجل في توفير مياه عذبة يمكن استعمالها في شتى المجالات بما في ذلك ريّ الحدائق الخاصة وتنظيف السيارات والفضاءات المنزلية فباتباع مثل هذه السلوكيات يقلّص تكاليف استغلال المياه على المواطن، ويجنّب المدن الفيضانات بمناسبة تهاطل الأمطار حيث أنّ جزءا كبيرا من هذه المياه سيُستغلّ للخزن عوض أن تمتلئ به بالوعات الشوارع.

لقد قامت مالطا في السنوات الأخيرة بفرض إقامة مواجل عند تسليم رخص البناء سواء كان العقار للاستعمال الخاص او للاستعمال الجماعي. التخطيط للمستقبل بات أمرا ضروريا، وإن كانت الأجيال السابقة قد اعتنت بهذا الموضوع منذ ما يقارب عن الخمسة عقود وجنّبت البلاد كل مظاهر الجفاف، وقد أصبح من المحتّم الانكباب على هذا الموضوع خدمة للأجيال القادمة، فآفاق سنة 2030 صارت قريبة منّا ويتعيّن الاستعداد لذلك منذ الآن.

عادل كعنيش

هل أعجبك هذا المقال ؟ شارك مع أصدقائك ! شارك
أضف تعليق على هذا المقال
0 تعليق
X

Fly-out sidebar

This is an optional, fully widgetized sidebar. Show your latest posts, comments, etc. As is the rest of the menu, the sidebar too is fully color customizable.