أخبار - 2016.11.04

الصحبي الوهايبي: حــرف جـرّ

 الصحبي الوهايبي: حــرف جـرّ

قاللي بعض أصحابي:«لماذا تولج اللّيل في النّهار والنّهار في اللّيل ولا تستقرّ في كتاباتك على موضوع واحد لا تبرحه؟ فقلت لهم:«أنا أفعل كما يفعل أولي الأمر، فهل رأيتموهم يستقرّون على حال؟ وبعد هذا وذاك، قد تبدو لكم الأمور متباعدة منفصلة، وهـــي في الأصل متماسكة مترابطة». رئيس حكومة تونس تمرّس بفنون الطّبخ في المطاعم الشّعبيّة، فليس هناك أطباق تفيض عن الحاجة، وليس هناك أطباق إلى القمامة؛ كلّ الفضلات إلى الرّسكلة، فإذا هي أطباق بمسمّيات أخرى؛ والوزراء الذين انتشلهم إليه من الحكومة السّابقة لا يفيضون عن الحاجة، فقليل من البهارات حتّى يستقيم المذاق وتغيب الرّائحة؛ وحكومتنا تقيس الأمور كما تقيسها تلك المرأةَ التي لا تعرف درجة حرارة الماء وقد هيّأته ليستحمّ صبيّها؛ فكانت تغطّس الطّفل فإذا زعق وصاح أدركت أنّ الماء حارّ جدّا؛ وإذا انسلخ جلده، أدركت أنّه، فعلا لا يطاق؛ وكان لها طفل أخرس، أبكم، سلخ الماء الحامي جلده وجفونه وفروة رأسه ولم يصرخ ولم يبك؛ فلمّا ذهبت إلى الطّبيب الحكيم تستشيره، قال لها: «لا عليك! سيرى من العجائب والغرائب في هذه البلاد ما يُنطّقه من أجنابه؛ وطفق الطّبيب يستعرض عِلْمَه ويعرض...

حديثٌ يجرّ حديثا، وهلمّ جرّا؛ ومازلت أدْرس وأتعلّم وأنا في هذه السّنّ، فلم أَرَ أعجب ولا أغرب من حروف الجرّ؛ يُقال «زُرت حديقة الحيوانات فمررتُ بفيل»؛ الباءِ: حرف جرّ والفيل مجرور؛ وأنا لا أصدّق أنّ هذا الحرف الصّغيرالنّحيل يستطيع أن يجرّ فيلا بطمّ طميمه! هذه لا يصدّقها أحد؛ ولو أنّي عشت حتّى رأيت بلادا بناسها وحميرها وبغالها، وما أكثر حميرها وبغالها، يجرّها حرف جرّ. قلت ذلك لمعلّمي أيّام زمان، فوقف حينا، يخمّن ويجمع ويطرح ثمّ قال لي: «معك حقّ يا ولد! قلْ رأيت فيلا؛ واعفنا من حرف الجرّ وشرّه». سقطتْ ذبابة في كأس ماء على طاولتي، فجاهدتْ لتخرج فلم تفلح، فأطللتُ عليها من فوق، أتابع صراعها مع الغرق، وسهوتُ عن كلّ ما حولي حتّى انزلقتُ فإذا أنا في الكأس معها، وأنا لا أصدّق أنّ كائنا مثلي يمكن أن يغرق في كأس ماء، حتّى تذكّرت أنّ حكوماتٍ بمديريها ووزرائها تغرق في قطرة ماء، فما بالك بكأس تكاد تفيض؟ فسكنتْ نفسي واطمأنّ قلبي، وما زلت أصارع الموج العاتي حتّى تمكّنتُ من جناح الذّبابة فركبتُه، ولا أدري كيف طارت وأنا فوقها، فحوّمتْ في الجوّ عاليا ثمّ عادت بي من حيث انطلقتْ فحطّتْ في لطف على مكتبي وما زلتُ مبلّلا، لم تجفَّ ثيابي بعدُ، فلمّا دخلت امرأتي، نظرت إليّ مشفقةً وقالت: «يا مسكين! أنت تعوم وتغطس في العرق»، فلمّا قصصت عليها قصّتي، وضعت راحة يدها على جبيني ثمّ قامت مفجوعة فهتفت إلى الطّبيب:«يا دكتور! أسرع!»، فلم تمض إلاّ لحظات حتّى أقبل الطّبيب على جناح ذبابة حطّت على مكتبي، فكأنّه حمّالة طائرات حربيّة، تقلع منها وتهبط. ألم أقل لكم من قبل هذه بلاد العجائب والغرائب، تجنّن من لا يجنّ؟ 

 الصحبي الوهايبي

 

هل أعجبك هذا المقال ؟ شارك مع أصدقائك ! شارك
أضف تعليق على هذا المقال
0 تعليق
X

Fly-out sidebar

This is an optional, fully widgetized sidebar. Show your latest posts, comments, etc. As is the rest of the menu, the sidebar too is fully color customizable.