أخبار - 2016.02.24

"العميد فتحي زهير" الوساطة الضائعة في الخلاف البورڤيبي ـ اليوسفي: مسيرة، وثائق، شهادات

"العميد فتحي زهير" الوساطة الضائعة في الخلاف البورڤيبي ـ اليوسفي:  مسيرة، وثائق، شهادات

يقول المؤلف في توطئة له مطلع الكتاب انه ليس بالمؤرخ أو بالمختص في كتابة التاريخ إنما استهوته «شخصية أخاذة، وقامة سياسية وحقوقية وإنسانية فذة ... جانبَها المؤرخون في كتاباتهم فعانت التناسي...»، فشاء أن يرد الاعتبار لهذا «الرجل الممتاز والمتميز...».

اعتمد الكاتب في تناوله لشخصية العميد فتحي زهير ولمسيرته النضالية على قربه من عائلة زهير بحكم العلاقة الودية الوثيقة التي كانت تربط والده المرحوم محرز الرويسي بالعميد فتحي زهير ومعرفته الدقيقة بالبيئة العائلية والاجتماعية التي نشأ فيها.

عهد فتحي زهير بالسياسة بدأ في مستهل أربعينات القرن الماضي حينما انخرط في النضال الوطني العلني أعقاب الحرب العالمية الثانية قبل أن ينضم سنة 1946إلى مجموعة من كبار مناضلي الحزب الدستوري الجديد الذين وجدوا في المتغيرات الحاصلة في ذلك الوقت على الساحة العربية والعالمية ما حفزهم إلى مواجهة المستعمر وخوض النضال من أجل الاستقلال. وبادروا الى عقد مؤتمر اشتهر «بمؤتمر ليلة القدر» لوضع خطة لمقاومة المستعمر، ولإصدار ميثاق للشعب التونسي  من أجل «استقلال تونس التام»، لكن قوات الشرطة اقتحمت المحل وألقت القبض على عشرات المناضلين من بينهم صالح بن يوسف والمنجي سليم والفاضل ابن عاشور وفتحي زهير...

انضم فتحي زهير الى لجنة الأربعين أو مجلس الأربعين الاستشاري الذي شكله الباي (1952) ليساعده على دعم القضية الوطنية ومواجهة السلطات الاستعمارية وحملها على الاستجابة للمطامح الشرعية للشعب التونسي،  ومن ضمنها إنشاء برلمان تونسي كعنوان للوحدة الوطنية... وقد قوبلت كل هذه المطالب برفض قاطع من قبل الإقامة العامة الفرنسية التي تحركت بقوة في اتجاه قمع الحركة الوطنية، وحبك المؤامرات لإفشالها والزج  بقادتها في المنافي والمعتقلات والتخلص من بعض رموزها من أمثال فرحات حشاد. 

وفي كتاب الباحث فاخر الرويسي نسخة من وثيقة بخط فتحي زهير تسجل بعضا من خواطره وأحاسيسه وهو يرثي صديقه الحميم فرحات حشاد بعد أن بلغه نبأ اغتياله ( 5 ديسمبر 1952) وكان زهير وقتها في أحد المنافي أقصى جنوب البلاد.

ويتناول الكاتب بشيء من التفصيل موضوع الكتاب وهو مسألة الخلاف الذي كان قائما بين الزعيمين الحبيب بورڤيبة وصالح بن يوسف بشأن المفاوضات التي كانت جارية آنذاك مع الطرف الفرنسي حول مشروع اتفاقية الاستقلال الداخلي (1954)، وهو المشروع الذي عارضه بن يوسف بقوة بمعية عدد من زعماء الحركة الوطنية من داخل البلاد ومن المهجر الذين اعتبروا الاتفاقية   «منقوصة» و «خطوة الى الوراء» و «خيانة وطنية»، وجيشوا الأنصار من أجل مواصلة الكفاح المسلح لنيل الاستقلال التام، معتمدين في ذلك على دعم عربي وآسيوي قوي وواسع، وظل بن يوسف وأنصاره متشبثين بموقفهم المعارض للمفاوضات، رغم المساعي التي قامت بها بعض الشخصيات الوطنية المرموقة لإقناعه بضرورة العدول عن موقفه المعارض المتشدد من مسألة الاستقلال الداخلي والسبل الكفيلة بتحقيقه.

ويشير الأستاذ فاخر الرويسي إلى«الدور المهم» الذي لعبه فتحي زهير كغيره من الشخصيات التونسية في إنجاح المفاوضات مع الجانب الفرنسي التي تكللت بإبرام اتفاق الاستقلال الداخلي (1955)، وذلك رغم علاقة الصداقة والمصاهرة التي كانت تربطه بصالح بن يوسف، وكانت مواقفه مؤيدة تماما لسياسة المراحل التي انتهجها الزعيم الحبيب بورقيبة من بداية الكفاح الوطني وداعمة للرؤية البورقيبية في التعاطي مع قضية الاستقلال. لكن العلاقات بين الرجلين ظلت ودية في بادئ الأمر رغم هذا التباين في المواقف؛ وأبدى بورقيبة من جانبه حرصاً شديدا على تبديد الخلافات مع بن يوسف رفيق الدرب، محاولا استمالته وثنْيَه عن موقفه، وذهب في هذا الاتجاه إلى حد الاستنجاد بأحد المقربين إليه وهو فتحي زهير مستغلا ما كان يربطه بصالح بن يوسف من صلات صداقة ومصاهرة، فأشار عليه بالتوسط  لدى زوج أخته ودعوته للمصالحة.

يلقي الكاتب الأضواء الكاشفة المكثفة على المساعي التي قام بها العميد زهير لمحاولة رأب الصدع في العلاقات بين الزعيمين بورڤيبة وبن يوسف.

يروي الكاتب بشيء من التفصيل قصة توسط العميد زهير في هذا الخلاف الحاد ويقول في هذا الصدد (ص 120): ... تحدى فتحي زهير كل الخلفيات فذهب الى بيت بن يوسف ب«مونفلوري» الذي وجده محاطا بجمع كبير من مناصريه المدججين بالسلاح وعندما دخل المنزل، وجد سي صالح مجتمعا مع عدد من زعماء قبائل الهمامة والفراشيش وغيرهم. وحاول فتحي زهير إيصال رسالة بورڤيبة إلى صهره وإقناعه بضرورة العدول عن مواصلة معارضته معللا ذلك بعدد من الأسباب لكن صالح بن يوسف تمسك بموقفه...وقام زهير بالمهمة لكن اصطدم برفض قاطع من الزعيم صالح بن يوسف وفشلت هذه الوساطة الضائعة في إنهاء الخلاف وتجنب وقوع القطيعة فالمواجهة بين الزعيمين.

نكتشف في ثنايا الكتاب أخبارا لا تخلو من طرافة لاقترانها بمسائل ومواقف وظروف بعينها وبقي حظ بعضها من الذيوع والانتشار محدودا جدا. من ذلك محاولة المقيم العام الفرنسي جان دي هوتكلوك (Jean de Hauteclocque) التخلص من الامين باي بسبب مساندته الحركة الوطنية، وذلك بحبك مؤامرة لتسميمه سخر لتنفيذها أحد المقربين من الباي. لكن المؤامرة أجهضت بعد ان تراجع هذا الأخير في آخر لحظة عن تسليم كمية السم الى طباخة القصر.

في نفس السياق، يروي الكاتب جانبا من الظروف التي حفت بترشح فتحي زهير لمنصب عميد المحامين إلى جانب عدد من زملائه ومن بينهم الاستاذ الباجي قائد السبسي مشيرا الى ان السبسي أعلن في نهاية الأمر عن تخليه عن الترشح للعمادة لأنه «لا يمكن له ان يترشح في وجه من أشرف على تربصه».  من المُلْحات الأخرى التي يمكن أن يكتشفها القارئ وهو يتصفح الكتاب، ما كان يتردد في بعض الأوساط في ذلك الوقت من أخبار وحكايات عن قرب فتحي زهير من الفنانة الذائعة الصيت حينذاك فتحية خيري وتردده على بيتها رفقة صديقه صالح بن يوسف وكان بيتها ملتقى لمشاهير الأدباء والفنانين (ص 222).

ماذا عن  فتحي زهير الرياضي؟

مسيرة زهير الرياضية لم تكن في مثل أهمية مسيرته السياسية. انضم في بادئ الأمر الى جمعية الترجي الرياضي - فرع كرة القدم - لكن نجمه لم يسطع وبقي في الصفوف الخلفية للنادي كحارس مرمى قبل ان يرحل إلى النادي الأفريقي حيث أصبح حارس مرمى النادي الأساسي إلى حين اعتزاله هواية كرة القدم بعد ان أصيب بكسر بليغ في إحدى المقابلات. لكن عاد إلى الأفريقي ثانية بعد ان اختارته الاسرة «الافريقية» رئيساً للنادي (1967). 

أورد المؤلف ضمن الفصل الأخير من الكتاب جملة من الشهادات (19 شهادة) حول مسيرة فتحي زهير الطالب الشاب والمناضل والدبلوماسي والسياسي، قدمها تونسيون وتونسيات عرفوه عن كثب، نذكر من بينهم أرملته تراكي باي، وأرملة الزعيم صالح بن يوسف، والأستاذ مصطفى الفيلالي، وأحمد المستيري الخ. 

هل أعجبك هذا المقال ؟ شارك مع أصدقائك ! شارك
أضف تعليق على هذا المقال
0 تعليق
X

Fly-out sidebar

This is an optional, fully widgetized sidebar. Show your latest posts, comments, etc. As is the rest of the menu, the sidebar too is fully color customizable.