اصدارات - 2016.01.25

يوميّات‭ ‬حامل‭ ‬ميكروفون‭:‬ أسرار‭ ‬السّياسة‭ ‬في‭ ‬كواليس‭ ‬الإعلام

يوميّات‭ ‬حامل‭ ‬ميكروفون‭:‬ أسرار‭ ‬السّياسة‭ ‬في‭ ‬كواليس‭ ‬الإعلام

أن يكون الصحفي حامل ميكروفون، فذلك من جوهر عمله اليومي الذي يدعوه إلى صياغة المادّة الإخباريّة على الميدان، انطلاقا من الأحداث التي يواكبها، أمّا أن يصبح كاتبا لمذكراته، فهو أمر مختلف، فالمرور من الحديث عن الآخرين إلى كتابة السيرة الذاتيّة يستوجب حتما تدرّجا في سلّم المسؤوليات وثراء التجارب المهنيّة وتراكمها واستكشافا دقيقا لكواليس السياسة وأسرارها وإلماما واسعا بالشأنين المحلّي والدولي، فضلا عن القرب من دوائر القرار الذي يجعله في قلب الأحداث وشاهدا عليها.

لاشكّ أنّ هذه الشروط توفّرت في ماهر عبدالرحمان الذي عرف مساره المهني تطوّرا لافتا. فمن تجربة أولى ناجحة بإذاعة صفاقس، وهو شابّ يافع، سينطلق ماهر عبد الرحمان بخطى واثقة، وهو مازال طالبا في معهد الصحافة وعلوم الأخبار بالعاصمة، في بناء مسيرة لامعة جلبت له الاهتمام، إذ سرعان ما سطع نجمه صحفيّا ومقدّم أخبار في التلفزة التونسيّة في فترة الثمانينات ورئيس تحرير النشرة في القناة المغاربيّة حتّى أواخر سنة 1991، وهو ما مكّنه من سبر أغوار المؤسّسة التي عمل بها في عهدي بورقيبة وبن على ومن الوقوف على طريقة تناولها للشأن الإعلامي، باعتبارها جهازا خاضعا للسلطة السياسيّة. إثر ذلك خاض ماهر عبدالرحمان تجربة هامّة في القطاع الخاصّ بالالتحاق بمركز تلفزيون الشرق الأوسط بلندن (MBC) الذي كان في طليعة المؤسسات الإعلاميّة العربيّة التي اطلقت قناة تلفزية فضائيّة. وقد أهّله تكوينه الأكاديمي بعد حصوله على الأستاذية من معهد الصحافة وعلوم الأخبار بتونس ودراسة علوم الاتصال بجامعة ستانفورد الأمريكيّة من الإشراف على هيئة تحرير القناة والاضطلاع بمهمّة العمليات الدوليّة بها، فضلا عن كفاءة مشهود له بها على الصعيد الوطني ومعرفة بأحدث تكنولوجيات الاتصال السمعي البصري وتقنيات العمل الصحفي.

ولمّا عاد ماهر عبدالرحمان إلى تونس سنة 2000  لإنشاء شركة إنتاج إعلامي كان يحمل تجربة مهنيّة متميّزة وظّفها في تطوير مؤسسته وتوسيع شبكة علاقاته، خبيرا ذا شأن تستعين بخبرته الواسعة عديد الجهات التونسيّة والعربيّة والأجنبيّة.

لم تمنعه أعباء العمل الثقيلة من إصدار كتاب يحمل عنوان «يوميّات حامل ميكروفون، تدوينات في أسرار السياسة في كواليس الإعلام» سلّط فيه الضوء على مراحل حياته ومسيرته المهنيّة وأدلى فيه بشهادات حيّة تتضمّن أسرارا ومعلومات مثيرة حول حقبة من تاريخ تونس ودور فاعلين أساسيين في المشهدين السياسي والإعلامي بها. وقد أبدى ماهر عبدالرحمان جرأة كبيرة في استعراض وقائع مثيرة، وذكريات عن عدد من هؤلاء الفاعلين الذين لازالوا على قيد الحياة، ممّا يجعل من هذا المؤلّف وثيقة تؤرّخ  لكواليس السياسة ولوضع القطاع السمعي والبصري في تونس على مدى العقود الثلاثة الأخيرة.

مقتطفات من الكتاب: "بورقيبة والإذاعة والتّلفزة"

شكـّل التلفزيـون أفـضـل وسيلـة دعـائيـّة لبورقيبـة لينشـر أفكـاره بيـن الجمـاهيـر. مكّنـهُ هـذا الاختـراع مـن تعـويـض طـريقته التقـليـديـّة المُحبـّبـة لـديـه في الاتصـال المُبـاشـر بالشـّعب. أصبـح التـّلفـزيـون يقـوم بالمهـمّـة عـوضـا عنـه بالصـّورة والـصـّوت في آن عبر كـامل أرجـاء البـلاد دون أن يغـادر قصـره. كـانت هنـاك نشـرتـا أخبـار في اليـوم، واحـدة رئيسيـّة باللـّغـة العـربيـّة، وأخـرى بالفـرنسيـّة فـي آخـر السـّهـرة. تقـدّم نشـرات الأخبـار ملخـّصـا يـوميـا لكـلّ أنشـطـة بـورقيبـة. ولمـّا يخطـبُ المـجـاهـد الأكبـر، يُـبثُ الخطـاب أكثـر مـن مـرّة، بـل أُحْـدِثَ بـرنـامـجٌ يعيـدُ يـوميـّا مقتطفـات مـن خـطبٍ سـابقـة يـكـون اختيـارُهـا مـُرتبـطـا بالأحـداث، سـواء منهـا الأزمـات، أو الأعيـاد الـوطنيـّة، أو للتـذكيـر ببـعض دروسـه المـدنيـّة للشّعـب، أو بـكفـاحـه مـن أجـل استقـلال تـونس. وكـان البـرنـامج اليـومي والـذي يبـثّ قبـل نشـرة الأخبـار يحمـل عنوان مـن «تـوجيهـات الـرّئيس»، ولـهُ أيضـا نسـخٌ عـلى الإذاعـة الـوطنيـّة، والإذاعـات الجهـويـّة، حتـّى كـرهنـا سمـاعهـا لكثـرةِ تكـرارهـا.

استخـدم بـورقيبـة لُغـة عـامـّيـة سهـلـة في خـطبـه دون لهجـات محـلّيـة حتـّى يُبلِـغ أفكـاره لعـامـّة الشـّعب. كـان يجـلبُ إلـيـه أنـظار المُشـاهـديـن بمـن فيـهم البـعـض مـن مُـعـارضيـه، بشـدّة. فهو لا يستنكف مـن الحـديث في أيّ مسألة كانت حتى تلك التي هي أكثـرُهـا خصوصية في حيـاته. عبـّر مـّرة عـن شـكـوكـه في السـّابق في أن تكـون لـه ذرّيـة بسبـب امتـلاكـه لخصيـة واحـدة، لـكن وُلـد لـه طفـل مـن زوجتـه الفـرنسيـّة أسمـاه «الحبـيب» أيـضـا. حصـل ذلـك في التـّلفـزيـون، ولـم يجـرؤ أحـد عـلى قـطـع الفقـرة مـن خـطابه الـذي دخـل بيـوت العـائـلات المُحـافـظـة.

يسـخـرُ «المُجـاهـدُ الأكبـر» أحيـانـا مـن بعـض مُنـاوئيـه، وفـعل ذلـك مـع أكبـر وزرائه. اتـّهـم أحمـد المستيـري عـلانيـّة، أثنـاء مـؤتمـر لحـزبـه في المنستيـر سنـة 1972 باللّهث وراء المناصب السّيـاسيّـة. ثمّ حـاول بـورقيبـة السخـريـة مـن وزيـره الآخـر البـاجي قـائـد السّبـسي في المـؤتمـر متّهـما إيـّاه بإنـكـار سُـلْفـةٍ مـاليّـة مـن زوجتـه وسيلـة، فـردّ البـاجي أمـام الجميـع أنـّه أرجـع القـرض. وبعـد هـذه الإهـانـة، استقـال أحمـد المستيـري والبـاجـي قـائـد السّبـسي، ومعهُمـا وزيـر آخـر هـو الحسـيب بـن عمـّار مـن الحكـومـة. كـانـت المسـألـة صـراعـا سيـاسيـّا بيـن شـقّ «السـّواحليـّة» في حـزب الـدّستـور، وشـقّ «البـلـْديـّة»، أي أصيـلي تـونس العـاصمـة، وكـانـوا أقـلّ عـددا، لكـنّ بـورقيـبـة احتـاجهـم في إطـار مُعـادلاتـِه السّيـاسيـّة إذ كـانت تقـِفُ وراءهـم قـُوّة أرستـقـراطيـّة ورأسمـاليـّة مُـؤثـّـرة مـن كبـار التـّجـّار ومـُلاّك الأراضـي. ورغـم التـّحـالفـات، استمـرّ الصـّراعُ بيـن الشـقّيـن لسنـوات طـويلـة منـذ تـأييـد «البـلْـديـّة» لصـالح بـن يـوسـف، منـافس بـورقيبـة علـى الحـكم، قـبل اغتيـالـه بـألمـانيـا.

كـان «المُجـاهـدُ الأكبـر» خطيـبـا بـارعـا جـدّا. يخلـطُ وبـطريقـة مسـرحيـّة بيـن الجـدّ والهـزل، والـدّمـوع والضـّحـك في خـطبـه. تعـلو نبـرة صـوتـِه وتنخـفـض حسـب وقـع الكلمـات. تتبـع حـركـاتُ وجهـه طبقـةَ الصـّوت التـي يستعملـهـا، فيقـطـّب جبـينـه أحيـانـا حتـّى يـزيـد مـن رسـم تجـاعيـد وجهـه، أويفتـح عينيـه الـزرقـاويـن واسعـا للتـعبيـر عـن أمـر عـظيـم بصـوتٍ عـالٍ، أو يـغمضـهما مـع تـعبيـر بالإزدراء واستخـدام نبـرة ضعيـفةٍ لتحقيـر شيء مـا. يستخـدمُ يـديـه بحـركات في كـلّ الاتـجـاهـات وهـو يهتـزّ فـوق مقعـده.

كـان يتبـع كلمـاتـه أحيـانـا بضـربـات سـريعـة مُتتـاليـة علـى طـاولـة الخـطاب ليعـبـّر عـن إصـراره عـلى أفكـاره وأهمّيـة اختيـاراته ومـواقـفه. ولـم نعـرف بـزرقـة عيني بـورقيـة إلّا لمـّا تحـوّل التلفـزيـون إلـى الألـوان، وبـدأ بـريقـُهـا عنـدهـا يخـفتُ رويـدا رويـدا مـع تـزايـدِ كبـره.

كـان يُحـكمُ استخـدام لغـة الجسـد. فـرغـم قصـر قـامتـه، لا يقـِـفُ بـورقيبـة مـع أيّ مـن الـزّعمـاء، بمـن فيـهم الأمريكيـّون، إلّا وهــو رافــع رأسـه وصـدره وكتفيـه إلـى أعـلى، والابتسـامـة عـلى فمـه. ينـظـرُ مبـاشـرة في أعيـن مُخـاطبيـه، ولا ينـزل نـظـره إلـى أسـفل. كـان يخيـفُ الكثيـر منـهم، حتـّى أنّ الجنـرال ديغـول، وفي مفـاوضـات «رامبويي» قبـل حـرب بنـزرت، تفـادى النـّظـر في عينـيّ بـورقيبـة. وضـع الـرّئيـسُ التـّونسـيّ يـده بـكـلّ أريـحيـّة علـى حـافـة الأريكـة الـطـّويلـة بـاتـّجـاه نـظيـره الفـرنسـي وكـفـّه مفتـوحـة، وكـأنـّه يـغمـِزُ بـأنـّه يضـعُ مُخـاطبـهُ طـويل القـامـة تحـت يـده ويُـهيـمنُ عـليـه. وفـعل الأمـر نفسـه لاحقـا مـع الـرّئيس كينـيـدي حتـّى يظهـر دائمـا فـي صورةِ الندّ.

كان بـورقيبـة يحبّ أيـضـا أن يُـرفع عـلى الأعنـاق. تـمّـت أوّل عمـليـّة بصفـة عـفويـّة عنـد رجوعـه مـن المنفـى في جـوان 1955، فـاعجـبـهُ الأمر لاحقـا وأبقـاه ممُـارسـة يلجـأُ إليـهـا في بـعض المُنـاسبـات. لـم يـكن المـُواطنـون هـُم الـذيـن يتـطـوّعـون لحمله علـى أعنـاقـهم كمـا تهـيّـأ لـي وأنـا صغيـر، بـل لـه حـارسـان شخصـيّان بجسـم قـويّ ومُـدرّبيْـنِ عـلـى العمليـّة، وبـإشـارة منـه حيـن يتعـبُ أو يـريـدُ أن يـكون في مـوقـع أعـلى مـن الجميـع، وبحـركـة رشيقـة، يشـدّه كلّ واحد مـن رجل ويرفعـانه ليتـّكـِأ علـى كتفيـهمـا.

كانت الـكثير مـن خطب بـورقيبـة تربـويـّة لنشـر ثقـافـة العلـم، وأيـضـا للتسـويق لبـعض سيـاسـاتـه في التشـجيـع علـى العمل والإنتـاج، أو للحـدّ مـن النـّسـل، أو مُحـاربـة الأمـراض. لا أزالُ أذكـرُ جيّـدا بـعضـا مـن زيـاراتـه إلـى المنـاطـق الـمحـرومـة حـين كـان لا يـزال بصـحـّة جيـدة نسبيـّا أواخـر الستّينـات وأوائـل السّبعينـات. وزّع «المُجـاهـد الأكبـر» فـي ذاك النـّشـاط مفـاتيـح بيـوت ريفيـّة عـلى عـائـلات مُعـوزة في حـفـل بسيـط بالهـواء الـطـّلق. سـأل إحدى النّسـاء عـن عـدد أبنـائهـا، فـأخبـرتـه بـأنـّهـم أحـد عشـر طفـلا. غـضب بـورقيبـة بطـريقـة مسـرحيـّة، وأمـر المـرأة باستعمـال حبـوب الحمـل الـتي تـوزّعهـا الـدّولـة مجـانـا، أو بـربـط عنـق الرّحـم. وبـعـدهـا اتـّهـم زوجهـا، وعـلـى المـلإ، أنـّه لا يعـرفُ مـن العمـل سـوى إيقـاع زوجتـه في حمل بـعد آخر. ثمّ سلـّم مفتاح بيت آخـر لـرجل مُـسنّ أبـى إلّا أن يقـبّل «المجاهد الأكبر»، فـارتفـع صوتُ بـورقيبـة بالاستنكـار ولام الـرّجـل علـى عـدم «صبـّه سـطل مـاء عـلى رأسـه قبـل المـجيء إلـيـه» لأنّ رائحتـه كانت تبعـث عـلى الغثيـان كـما قال.

كـانـت هـذه الإهـانـات مقصـودة، لـكن لـم تـكن ترمـي إلـى الحـطّ مـن كـرامـة هـؤلاء المسـاكيـن. كـانت مـدخـلا لخـطاب يلقيـه «المـُجـاهـد الأكبـر» في ختـام الحـفـل عـن أهمـّيـة تنـظيـم الـنّسـل للمُحـافـظـة علـى تمـاسـك الأسـرة وتـربيـة الأطفـال تـربيـة حسـنـة، وأهمـّيـة النـّظـافـة في الحيـاة اليـوميـّة درءا لانتشـار الأوبئـة، وللتـّشجيـع عـلى العمـل وتفـادي عقليـّة التـّواكـل. تُـذاع كـلّ هـذه الخـطب والمـلاحـظـات كـاملـة حتـّى تصـل الـرّسـالـة عبـر التـلفـزيـون إلـى المـُواطنيـن حيـثُمـا كـانـوا.

كـان مـزالـي كثيـر التنقـّل بيـن الـولايـات، ويجـوب كـلّ ولايـة طـولا وعـرضـا. كـان يحـبّ الاستقـبـالات الشـعبيـّة الكبيـرة الـتي تظهـر مـدى ترحـاب المـواطنيـن بمبـعوث المجـاهـد الأكبـر للجـهة. كـانت تلـك كلـمة السـرّ الصـادرة في تعليمات مشـدّدة لـكلّ وسائـل الإعـلام حتـّى لا تثـور ثـائـرة بـورقيبـة ويعتـبـر مـزالـي منـافسـا لـه في الشـعبيـّة. كـان مـزالـي طبـعـا يسـعى لبنـاء شعبيـّتـه الخـاصـّة بـه لمـا بـعد بـورقيبـة، ويمـرّر فـي الـوقـت نفسـه رسـالـة إلـى بـورقيبـة لطمـأنتـِه بأنّ الجمـاهيـر كـانت تـرُحـّب بالمُجـاهـد الأكبـر نفسـه فـي شخـص مـزالي، وليـس بمـزالي في حـدّ ذاتـه. وحتى في كـلّ الرحـلات إلى الخـارج، كـان ضـروريـّا استـخـدام كلـمـة «مبـعوث المـجـاهد الأكبـر»، وتضميـن تحيـّات المسؤوليـن في تلـك البـلـدان إلى بـورقيبـة و«إعـجابـهم بسيـاسـتـه الحكيمـة في قيـادةِ تـونس» حـتّى إن لـم يكـن هنـاك شيء من ذلـك.

لمـّا بـدأت أزمـةُ الثّمـانينـات تفـعل فـعـلـها بالاقتصـاد التـّونسـي، وبتشجيـع مـن وسيلـة بـورقيـبـة، ومُبـاركـةٍ مـن الـوزيـر الأوّل محمـّد مـزالـي، طـلب القـذّافـي زيـارة تـونـس لإصـلاح ذات البيـن. لم يـكـن بـورقيبـة مُتحمّسـا للقـائه، لـكن رضـخ لإلحـاح زوجتـه وسيلـة. كـان الـرّئيس التـّونسي وقتـهـا مُقيمـا بقصـر صقـانس في المنستيـر صيـفـا، وأرسلتـني التـّلـفـزة لتغطيـة اللّقـاء المـرتقـب. لـم يكـن مقـرّه الـرّئـاسي في صقـانس قصـرا بالمعنـى الكـامـل للكلمـة، بـل إقـامـة كبيـرة مـن طابقيـن وسـط حـديقـة ضخمـة.

كنـّـا أمـام مـدخـل الصـّالـون الكبيـر بالـطـابق الأوّل، و بـورقيبـة واقـفـا في انتـظاره. طلـبَتْ منـه وسيلـة أن ينـزل لاستقبـال ضيفـه عنـد مـدخـل البـاب، لكنـّه رفـض وأصـرّ عـلى أن يـصعـد القـذّافـي إليـه. كـان عـلى حـائـط الـرّواق أمـام مـدخـل الصـّالـون سُجـّاد حـائـطيّ كبيـر من صنـع تـونسـيّ يُسمـّى «المـرقـوم». لبـس العقيـد الليّبـيّ يـومهـا بـزّتـه العسكـريـّة البيضـاء، ووضـعُ علـى رأسـه قبـعـة علـى طـراز قبـّعـات ضبـّاط الجيـش النـّازي الألمـاني التـي ينـزلُ غـطاءُ الشّـمس فيـها إلـى مستـوى الأعيـن، بمـا يضـطـرّه أن يُبقـيَ رأسـه مـرفـوعـا دائمـا عنـدمـا ينـظـرُ أمـامـه. كـان لِبـاسـُـه ذاك مـدروسـا للمنُـاسبـة حتّـى لا يُنـزل رأسـهُ أمـام الـرّئيـس التّـونسي لمـّا ينظـرُ إليـه.

صعـد القـذاّفـي الـدّرج بـاتـّجـاه بـورقيبـة علـى مهـل شـديـد وكـأنـّه يتـوقـّع غضـبـه. ولمـّا وصـل أمـامـه صـافـحـهُ وهـو يسـألُ عـن أحـوالـه، لـكن بـورقيبـة مـدّ يـده ولـم ينبس بـأيـّة كلمـة تـرحيـب. أحـسّ القـذّافـي بالحـرج، وحتـّى يكسـر الصـّمت، نـظـر إلـى السـّجـاد وراء الـرّئيـس التـّونسـي وعبـّر عـن إعـجـابـه بمشـهـد الصـّحـراء فيـه. عنـدهـا نـطـق بـورقيبـة وقـال رافعـا يـده باتـّجـاه القـذّافـي: «إنـّه مـن صنـعِ بنـات صغيـرات بمـدينـة قفصـة مـات آبـاؤهـم برصـاص القتـلـة». سـاد صمتٌ رهيـب إثـر هـذه الـرّسـالـة الفـوريـّة القـويّـة والـواضـحـةِ في معنـاهـا، وبعـدهـا سحبته زوجتـُـهُ وسيـلة مـن يـده، واستـدعتـه ليـدخـل الصـّالـون مـع ضيـفـه، وبقينـا بالخـارج.

لـم أكـن أعتقـد للحـظـة واحـدة، وكـان بـورقيبـة وقتـهـا يبـدو منهـكـا جسـديّـا وعقليـّا، أن يكـون لـه ذلـك الحضـور البـديـهيّ الآنـي. كـانت لطـمـة شفـويـّة علـى وجـهِ القـذّافـي، وكنـتُ مُتـأكـّدا أنـّــه لـولا خـوف بـورقيبـة مـن أزمـة ديبلـومـاسيـّة خطـيـرة، لـكـان صفـع العقيـد اللـّيبـيّ. ومـع ذلـك، ورغـم كـلّ الأزمـات بيـن البـلـديـن والتــــي استمــــرّت لسنـوات طويلـة، والحـروب الإعـلاميـّة والتـوتـّرات العسكـريـّة، وسخـريـّة بـورقيبـة مـن القـذافـي عـلى الملإ وبحضـوره، لـم يجـرؤ الـزّعيـم الليـبـيّ ولا مـرّة واحـدة عـلى التـعــــرّض لشخـص بـورقيبـة بالتجـريــــح، ولا سمـــح لإعـلامـه أن يفعـــل ذلـك. سـبّ القـــذّافـي في خـطبـه كـلّ الـزّعمـاء العـرب تقـريبـا ومـــن دون استثــنـاء، إلّا جمـال عبــــد النـّاصـر وبـورقيبـة. كـــان يقـول إنّ بـــورقيبـة هـو في مقـام أبيـه ولا يصـحّ المـسّ مـــن شخــــصه.

ماهر عبد الرحمان 

هل أعجبك هذا المقال ؟ شارك مع أصدقائك ! شارك
أضف تعليق على هذا المقال
0 تعليق
X

Fly-out sidebar

This is an optional, fully widgetized sidebar. Show your latest posts, comments, etc. As is the rest of the menu, the sidebar too is fully color customizable.