شؤون وطنية - 2016.01.21

أثــريـــاء‭ ‬الثـــورة‭ ‬فــي‭ ‬تونس‭: ‬ الأسياد‭ ‬الجدد

أثــريـــاء‭ ‬الثـــورة‭ ‬فــي‭ ‬تونس‭: ‬ الأسياد‭ ‬الجدد

افضت تحريّات قوات الأمن إلى كشف النقاب عن عدد من الأثرياء الجدد في تونس ما بعد الثورة أو بالأحرى «الأسياد الجدد» الذين كوّنوا ثروات طائلة من الصعب حصرها، مصدرها متأتّ أساسا من التهريب بشتى أنواعه، وأخطرها الأسلحة والمخدرات.

سقطت بعض الأقنعة مع انتحار «أمير الحدود» التونسيّة حسن معيز، أحد أكبر المهرّبين التونسيّين الذي يدير شبكة واسعة انطلاقا من معتمدية بن قردان المحاذية للحدود الليبيّة. تخصّص حسن معيز في تهريب السلاح وتسفير الشباب إلى بؤر التوتّر ونجح  في التخفي لا سيّما من خلال التحوّل إلى ليبيا على متن سيارة إسعاف.

وألقي القبض على عائلة «وشواشة» المعروفة بملوك الصحراء والمتكوّنة من ستّة أشقاء اختصّوا  في تهريب الأسلحة و«الفوشيك» والمواد المخدّرة والسيّارات المسروقة واستغلوا الفراغ الأمني طوال السنوات التي تلت أحداث 14 جانفي 2011  لإقامة إمبراطوريّة للتهريب يحسب لها ألف حساب من قبل المهرّبين التونسيّين، جعلت منهم أثرياء في ظرف وجيز للغاية.

بعد مرور خمس سنوات على الثورة التونسية تمكّن «الأسياد الجدد» من التحكّم في دواليب التهريب وتبييض الأموال  ومن تركيع الاقتصاد التونسي، إذ أنّ الاقتصاد الموازي وما يدور حوله من مثل هذه الأعمال المحظورة ومن تجارة غير منظمة بات ندا للاقتصاد المهيكل، فالدراسات والإحصائيات الرسميّة تشير إلى أنّه يمثل 50 بالمائة حاليّا.

بروز طبقة جديدة

لا جدال في  أنّ ثورة 14 جانفي 2011 أحدثت تحوّلات جذريّة في أوضاع البلاد سياسيّا واجتماعيّا واقتصاديّا وثقافيّا وحقوقيّا وجعلتها تعرف مخاضا لا يزال متواصلا إلى حدّ الآنومن تجليّات هذه التحوّلات بروز طبقة جديدة في المجتمع التونسي ظهر عليها ثراء فاحش وغير مبرّر يتجلّى من خلال تجوّل سيارات فارهة باهظة الثمن لا يوجد لها مثيل إلاّ في أوروبا أو دول الخليج، إلى جانب الإقبال على شراءات العقارات في أرقى الأحياء في العاصمة وضواحيها بأسعار مرتفعة، في حين تشهد البلاد أزمة اقتصاديّة وماليّة حادّة، علاوة على توسّع الفوارق الاجتماعيّة وتراجع المقدرة الشرائيّة للمواطن.

في ظلّ هذه الأوضاع المتأزّمة تصدم أنظار التونسيّين اليوم مظاهر البذخ والترف للأسياد الجدد، أو إن جاز القول، أثرياء الثورة. فعادة ما تطفو على السطح زمن الحروب والثورات أو حتّى الانتفاضات الشعبيّة طبقة تخرج من تحت الأرض من دون مقدّمات لتقتات على معاناة الشعوب، مستفيدة من ضعف سلطة الدول وتتحوّل أشبه ما يكون إلى مصاصي دماء، فيصحّ فيهم المثل العربي «مصائب قوم عند قوم  فوائد».

ويستغل أشخاص كانوا في الأمس القريب أناسا عاديين ظروف الحروب  والثورات لممارسة أنشطة محظورة وممنوعة (الاتجار بالبشر، التهريب، تجارة الأسلحة والمخدرات، الاستيلاء على المواد المدعمة والمواد الغذائية...) تدرّ عليهم أموالا طائلة سرعان ما تقوّيهم فيتحدون قوانين الدولة وتصبح تجارتهم الأصل والتجارة المنظمة الفرع.

هذا الوضع نلحظه اليوم للأسف في تونس، حيث أضحت مرتعا لهذا الصنف من الناس الذين باتوا يعرفون بأثرياء الثورة التونسية.

"الكاش" وما أدراك ما "الكاش"

تتدفّـق على البلـد في كـلّ سنة سيولة ماليّة ضخمة تضاهي قيمتها قـرابة ملياري دينار مدفوعة «كـَاشْ» بشتّى العملات، ومصرّح بها لـدى مصالح الــديوانة عند المراكز الحدوديّة، أو يقع تحويلها إلى الحسابات الجارية البنكيّة والبريديّة، ومن ثمّ، تختفي تماما، تتبخر بالكامل فلا يعثر لها على أثر وخلال الأشهر العشرة الأخيرة من السنة الماضية، حجزت مصالح الديوانة من الأموال بالعملة الصعبة ما تجاوزت قيمته 36 مليون دينار، مصدرها الرئيسي التهريب. وفي هذا السياق يستوعب قطاع التهريب وفق معطيات ومؤشرات إحصائية في بنقردان، جنوب البلاد التونسية، ما لا يقـلّ عن ستين تاجرَ جملةٍ، يشغّلون أكثر من 3000 نفْـر، ويجدون طـوع أيديهم ما بين 200 و300 من مُحَوِّلي العملة.أمـوال طائلة تدخل خزينة التهريب في بنقردان تـقدر بـ1,8 مليار دينار على أقلّ تقديـر.

ووفق دراسة أعدّها أستاذ الاقتصاد بالجامعة التونسيّة محمد الهدّار حول التجارة الموازية في تونس، تمّ إحصاء 60 نفرا من تجار الجملة ينشطون في هذا المجال في بن قردان كلّ حسب اختصاصه: 20 شخصا يختصون في تهريب النسيج والملابس و10 في المواد الغذائية و10 في الأجهزة الكهرومنزلية و5 في التبغ، إلى جانب 5 تجّار جملة تخصّصوا في الزرابي و3 في الإطارات المطاطية و3 في المواد الحديديّة ومثلهم في مواد التجميل. كما أفضت الدراسة إلى تعداد حوالي 3 آلاف  شخص يتعاطون هذه الأنشطة التي تدخل في خانة التجارة الموازية لحسابهم الخاص والتي تعتبر الشغل الأهم في بن قردان.

مافيات تسيطر على المجتمع

لقد أجمع عدد من المختصين والعارفين على أن أثرياء الثورة هم في الأساس تجار التهريب وتبييض الأموال إلى حدّ أن أحد المختصين قال إن المجتمع التونسي صار شبيها بالمجتمع الايطالي الذي تسيطر عليه المافيات.

وأظهرت التقارير الخاصة بأثرياء العالم وتوزيع الثروة الصادر عن مؤسسة «ويلث اكس» أن تونس احتلت المركز الأوّل في المغرب العربي بإرتفاع في عدد الأثرياء قدّرت نسبته بـ16,2 بالمــائة مقـــارنة بسنة 2014 ليصل عدد الأثرياء التونسيين الذين يملكون ثروات تقدّر بالمليارات إلى 70 شخصا.

ووفق مؤشّرات إحصائيّة احتلت تونس المرتبة الخامسة عالميّا في تبييض الأموال حسب تقرير منظمة الشفافيّة الدوليّة ويعتبر التهريب المتزايد من أبرز أسباب هذه الظاهرة. وحسب ذات التقرير فإنّ 25 مهرّبا يتصدّرون قائمة أثرياء تونس كما أنّ تونس تحتلّ المركز الأوّل في المغرب العربي في قائمة أصحاب الثروات التي تتجاوز قيمتها 58 مليون دينار. ولاشكّ أنّ تفشي ظواهر  التهريب وتجارة المخدرات والسلاح والدعارة والتجارة الموازية ينمّ عن غياب آليات المراقبة ووسائل الردع، في ظلّ انتشار الرشوة والفساد.

والمؤكد أنّ المنظومة التي نسجوا خيوطها ستتضخّم إذا لم تستعد الدولة سلطتها لفرض تطبيق القانون ولمحاسبة كلّ الذين  أثروا بطريقة غير مشروعة، إذ أن وجودهم يشكل خطرا على الاقتصاد الوطني.

جمال العياري حافظ الملكيّة العقاريّة بوزارة أملاك الدولة والشؤون العقارية

  • طال الزمان أو قصر سيُطلب من الإدارة رصد التحركات المشبوهة في بعض العمليات العقاريّة لمقاومة الإرهاب والتهريب
  • تسجيل العقارات يرتبط عادة بتبييض الأموال وهو أسهل مجال لذلك
  • عمليات تسجيل العقارات تطورت في 2015 بنسبة 30 بالمائة

قال جمال العياري حافظ الملكيّة العقارية بوزارة أملاك الدولة والشؤون العقارية إن إدارة الملكية العقاريّة بدأت تتهيأ لما سيُطلب منها في مجال العمليّات المشبوهة و لاسيّما في مجال تسجيل العقارات. وأكّد أنّ إدارة الملكيّة العقاريّة تسعى باستمرار إلى تحيين الفهارس الهجائيّة وتعميم المنظومة الإلكترونية على جميع الإدارات الجهوية لمزيد تسهيل البحث، لأنه مقتنع مسبقا أنه في إطار مقاومة الإرهاب والتهريب سيُطلب من الإدارة في يوم من الأيام رصد التحركات المشبوهة في بعض العمليّات العقاريّة.

وكشف أنّ عمليّات تسجيل العقارات تطوّرت في 2015 بنسبة 30 بالمائة، مشيرا إلى أنّ إدارات الملكيّة العقاريّة التي كانت تسجّل معدل 100 عقد في السنة أضحت تسجل حاليا معدل 130 عقدا.

وأفاد جمال العياري أن تسجيل العقارات يرتبط عادة بتبييض الأموال وهو أسهل مجال لذلك، لأنّ بائع العقار بحاجة إلى المال ولا يبحث عن مصدر الأموال ولأنّ المقتني له السيولة الكافية التي تخول له شراء العقارات بأثمان مرتفعة، ملاحظا في هذا الإطار أنه  تمّ تركيز منظومة معلوماتيّة في بعض الدول الأوروبيّة على مستوى البنوك  تنبّه إلى أنه في حال إنجاز عمليّات ماليّة ذات سقف معين يتمّ آليا الإشعار بها فورا، بما ييسر على لجان التحاليل المالية رصدها وتحليلها .

واقترح في هذا الصدد توحيد كلّ الجهود وتجنيد جميع الجهات المتدخلة وذات الاختصاص من إدارة الملكية العقاريّة وصناديق اجتماعية وقباضات مالية وبنوك لتوفير المعلومة عن التحرّكات الماليّة التي قد تثير الشبهات خاصّة حول مصدرها لرصد تدفق الأموال المشكوك فيها لاحقا. وأشار إلى أنّه في علاقة إدارة الملكية العقاريّة بالمحكمة وخاصّة قضاة التحقيق ووكلاء الجمهوريّة وكذلك بفرق الأبحاث في القضايا الإجرامية المتصلة بتبييض الأموال والتهريب والمخدرات يُطلب من الإدارة باستمرار، بمعدل ما بين 10 و15 مرّة في الشهر، الاستقصاء عن أموال أحد المتهمين في قضايا التهريب أو المخدرات وإعداد قائمة في الأملاك والممتلكات.

ولإدارة الملكية العقاريّة فهرس هجائي تعود إليه للتحري والاستقصاء في أموال الشخص المتهم أو المظنون فيه ويتمّ جرد الأملاك وحصرها وتدوينها في قائمة وإرسالها إلى الجهات الرسمية القضائية التي تطلب ذلك. وبطبيعة الحال بعد الحصول على قائمة الممتلكات يترتّب عنها في الطلبات إمّا مصادرة الأملاك أو أنّ المحكمة من تلقاء نفسها تقضي بالإدانة وتقضي لاحقا في إطار العقوبة التكميلية بتصفية الأملاك التي تمّ الحصول عليها بطرق مشبوهة.

ولاحظ أنه، منذ انطلاق الأبحاث في القضايا، يتمّ الاتصال بإدارة الملكية العقارية ويطلب منها جرد لأملاك المتهم الذي يظل بريئا حتى تثبت إدانته. وعمّ إذا لاحظ تغييرات على مستوى ارتفاع عدد الممتلكات بصفة غير عاديّة تدعو إلى الريبة والشك، قال جمال العياري إنّ إدارة الملكيّة العقاريّة ليس لديها محرار معيّن لجهة بعينها أو لشخص محدّد.

وأقرّ بوجود إقبال هامّ وملحوظ على شراء العقارات في السنوات الأخيرة، قائلا إنّه من الصعب فرز الغث من السمين والتفريق بين رجل الأعمال الذي يلجأ إلى اقتناء العقارات باعتبارها قيمة هامّة زمن الأزمات الاقتصاديّة وبين المهرّب وتاجر المخدرات الذي يقوم بعمليّة تبييض الأموال بشراء العقارات والأراضي وأكد أنها عملية معقدة وأن الجهة المخول لها ذلك هي لجنة التحاليل الماليّة بالبنك المركزي التونسي.

اللجنة التونسيّة للتحاليل الماليّة بالبنك المركزي 

  • معالجة‭ ‬1446‭ ‬تصريحا‭ ‬تتعلق‭  ‬بعمليّات‭ ‬الماليّة‭ ‬المسترابة‭ ‬بين‭ ‬2011‭ ‬و2015

تتموقع اللجنة التونسيّة للتحاليل المالية صلب البنك المركزي التونسي في قلب منظومة التصدي لتمويل الإرهاب وغسل الأموال وكمركز وطني لقبول كافة التصاريح حول العمليات المالية المسترابة من الخاضعين لواجب التصريح وتحليلها ضمن ضوابط ومعايير تقنية ومن ثمة إحالة تقرير حول هذه العمليات إلى وكيل الجمهورية لدى المحكمة الابتدائية بتونس في حال تأكد الشبهة.

وقد منحها المشرّع صلاحيات إداريّة هامة مثل رفع السرّ البنكي والاستعانة بالمصالح الإداريّة المكلفة بالسهر على تطبيق القانون والاستعانة أيضا بنظيراتها بالخـــارج في إطار التعاون الدولي.

وبحسب معطيات رسميّة وضمن نشاطها الفعلي بداية من سنة 2011 إلى حدود الثلاثي الأول من سنة 2015 بلغ عدد التصاريح بالعمليات المالية المسترابة 1446 تصريحا تتوزع على 566 سنة 2011 و220 سنة 2012 و301 سنة 2013 و292 سنة 2014 و67 إلى موفى مارس 2015.

وتوزّعت التصاريح بالشبهة بين 2011 و2014 على 691 تصريحا للمقيمين و686 لغير المقيمينكما انقسمت هذه التصاريح إلى 686 تصريحا للأشخاص الطبيعيين و693 للأشخاص المعنويين خلال الفترة نفسها.

وأظهرت ذات المؤشرات الإحصائيّة أنّه إلى حدود موفّى ديسمبر 2014 بلغ العدد الجملي للتصاريح بالشبهة منذ بدء نشاط اللجنة 1514 تصريحا وأنّ عدد التصاريح التي تمّت معالجتها واتخاذ قرار في شٲنها بلغ 623 تصريحا علاوة على أنّ عدد التصاريح بالشبهة في طور المعالجة بلغ 892 تصريحا.

أمّا بالنسبة إلى مصير التصاريح بالعمليات المالية المسترابة فقد نظرت لجنة التحاليل المالية خلال سنة 2014 في 141 تصريحا واتخذت بشأنها عدة قرارات من أهمها إحالة تصريحين إلى وكيل الجمهورية دون تجميد الأموال وإحالة 44 تصريح  إلى وكيل الجمهـــورية مــع تجميد الأموال مقابل حفظ 95 تصريحا.

ومن خلال مجمل الإحصائيات والمعلومات يتضح أنّ لجنة التحاليل المالية تقوم بدور الدرع في التصدي للمال الفاسد والمشــبوه في تونـــس في نطاق احتـــرام القانون وهو ما يفسر طول البحث والتقصي الذي تقوم به من أجل إثبات الحقيقة.

محمد‭ ‬البيزاني‭ ‬رئيس‭ ‬المكتب‭ ‬التنفيذي‭ ‬للنقابة‭ ‬الوطنية‭ ‬لأعوان‭ ‬الديوانة

  • الأثرياء الجدد بعد الثورة أغلبهم مهربون
  • سيولة مالية كبيرة تتجول خارج المسالك القانونية تبلغ قيمتها 300 مليون دينار

عبر محمد البيزاني رئيس المكتب التنفيذي للنقابة الوطنية لأعوان الديوانة عن اقتناعه التام بأنّ الأثرياء الجدد (بعد الثورة) أغلبهم مهربون، ملاحظا أنه برز خلال الخمس سنوات الأخيرة  أشخاص في الموانئ التجارية والمجالات الديوانية كانوا في السابق ٲعوان لدى الوسطاء الجمركيين فأصبحوا بين عشية وضحاها أثرياء ، يقودون سيارات فارهة وباهظة الثمن وتبدو عليهم علامات الثراء الفاحش ولا يتجولون إلا ومعهم حراس شخصيون. وأضاف أن هؤلاء الأشخاص الذين اعتادوا ارتياد الموانئ التجارية ليس لهم مستوى تعليمي أو ثقافي محترم وحتى هندامهم يجلب الشفقة، قائلا «وبقدرة قادر أصبحوا يتجولون في أرقى وأفخم السيارات في حين يفتقرون لرأس مال لاقتحام عالم المال والأعمال». وأوضح  أن هؤلاء الأشخاص عرفوا جيدا،على الرغم من مستوى تعليمهم المحدود للغاية، مسالك التهريب وأنّ أشخاصا أو«حيتانا كبيرة» تحركهم، مبديا استغرابه واندهاشه من الثراء غير العادي الذي بدا عليهم.

وتابع قائلا«هؤلاء الأثرياء الجدد لهم غطاء سياسي من بعض الأطراف وأنا أتحمل مسؤوليتي في ما أقوله. فالتهريب دخل مرحلة تستوجب معالجته  معالجة سياسة وإلّا ستنقسم الساحة السياسية بين سياسيين وطنيين وسياسيين مافيوزيين»

واعتبر المسؤول النقابي من جانــب آخـــر أن ظاهــرة التهريب تفاقمت في تونس بشكل لافت وأخذت حجما هاما في بعض المواد الاستراتيجية التي تحتكرها الدولة عامة ،موضحا أنّ النسب أصبحت مخيفة جدا وأضحت تهدد مؤسسات عمومية بعينها. فعلى سبيل المثال، أصبحت  شركة التبغ والوقيد مهددة بالغلق جراء تهريب السجائر، شأنها شأن شركة صنع  العجلات المطاطية (الستيب) إذ تفاقمت نسبة تهريب العجلات بشكل رهيب. ويرى أن حجم التهريب اقتلع مكانة هامة في بعض المواد والمنتوجات،مما يجعلنا نقتنــع بأنّ انتشار التهريب وراءه أغطية ســـياســـية وليس مجـــرد مهربين وتجار صغار، بل هناك أشخــاص يـــريدون السيطرة على أهم مفاصل الاقتصاد التونسي.

واعتبر أن العملية ممنهجة وتستهدف قطاعات حيوية لا سيما وأنها تدر عائدات مالية وجبائية للدولة على غرار الخمور والمشروبات الكحولية والتبغ والسجائر، وهي منتوجات تحتكرها الدولة وتحدد أسعارها.

وأكد محدثنا أنّ التهريب أخذ شكلا من أشكال التنظيمات المافيوزية التي تُدار بطرق مغلقة وتصبح مرتبطة بعلاقات من نفس العائلة أو نفس»العرش» أو الجهة الواحدة لكي يظل السر داخل الحلقة المغلقة.

وبين أن أصحاب الرؤوس الكبيرة في مجال التهريب والأثرياء الجدد من سكان العاصمة والمدن الكبرى، مستشهدا في ذلك  باقتناء العقارات الباهظة الثمن في العاصمة (خاصة في ضفاف البحيرة والمناطق الفاخرة).

ولاحظ محمد البيزاني أنّ سكان الحدود يعتبرون مستخدمين عند كبار المهربين والأثرياء الجدد، مشيرا إلى أن التهريب يُشغّل في تونس حوالي 840 ألف شخص وقرابة 4 ألاف آخرين في المناطق الحدودية ينشطون في مجال التهريب، موضحا أنّ سكان المناطق الحدودية لا يشكلون نسبة ذات أهمية كبرى.

وذكر أنّ مصالح الديوانة حجزت مبالغ كبيرة من العملة الأجنبية تتنقل من المناطق الحدودية إلى مناطق أخرى وهي  ثمن شحنات مواد مهربة وتتراوح المبالغ المالية المحجوزة بين 1 و 6 ملايين دينار كسيولة مالية.

كما أشار إلى وجود سيولة مالية كبيرة تتداول خارج المسالك القانونية (البنوك)، إذ أنّ الإحصائيات تُظهر أن منطقة  مدنين تعد حوالي 300 صراف يتصرفون  في زهاء 400 مليون دينار،معتبرا أن جزءا من ميزانية الدولة يدار بشكل غير قانوني.

نبيل بن مصطفى

هل أعجبك هذا المقال ؟ شارك مع أصدقائك ! شارك
أضف تعليق على هذا المقال
0 تعليق
X

Fly-out sidebar

This is an optional, fully widgetized sidebar. Show your latest posts, comments, etc. As is the rest of the menu, the sidebar too is fully color customizable.