شؤون وطنية - 2016.01.21

ماذا‭ ‬يُنتظر‭‬من‭ ‬حكومة‭ ‬الحبيب‭ ‬الصيـد‭ ‬الثـانية

ماذا‭ ‬يُنتظر‭‬من‭ ‬حكومة‭ ‬الحبيب‭ ‬الصيـد‭ ‬الثـانية

أجرى الحبيب الصيد يوم 6 جانفي الجاري تحويرا على حكومته، بعد قرابة أحد عشر شهرا من تشكيل حكومته الأولى، سعيا منه إلى إعطاء دفع جديد لعملها. وكان الحبيب الصيد أعلن أمام مجلس نوّاب الشعب في أواخر نوفمبر الماضي، بمناسبة الشروع في مناقشة مشروع ميزانيّة الدولة لسنة 2016، اعتزامه إجراء هذا التحوير. و يمكن القول إنّ الحبيب الصيد حرص على أن يعكس التعديل الوزاري الرؤية والتمشي اللذين كانا أفصح عنهما في حديث حصري أدلى به لليدرز منذ شهر حيث أوضح «أنّ الأمر يتعلّق بإعادة هيكلة مع تقليص حجم الفريق الحكومي، على أساس عنصرين أساسيين، هما تقييم الأداء ومقتضيات المرحلة القادمة».

تقليص الحجم ومراجعة الهيكلة 

أمّا تقليص حجم الحكومة، فقد بان جليّا من خلال عدد المناصب الوزاريّة، حيث ألغيت 14 خطّة كاتب دولة، فنزل عدد أعضاء الحكومة من 41 عضوا في التشكيلة السابقة إلى 29 وزيرا في التشكيلة الجديدة. ولعلّ الحبيب الصيد قصد من خلال إلغاء خطّة كاتب دولة حصر كلّ الصلاحيات في يدي الوزير وتحميله كامل المسؤولية في تسيير شؤون وزارته. ولئن يمكن الاستغناء عن هذه الخطة في أغلب الوزارات، فإنّ تعيين كاتب دولة في البعض منها يبدو في نظرنا أمرا ضروريا، اعتبارا لحجم العمل والمهام والالتزامات.ويستوجب هذا الإجراء في رأينا تفعيل دور الكتابة العامّة والإدارات العامّة صلب الوزرات وتحفيزها إلى المبادرة في إطار ما يحددّ من توجهات، والحرص على تعيين أفضل الكفاءات على رأسها. وقابل إلغاء خطط كتاب الدولة إفراد الشؤون المحليّة بوزارة بعد فصلها عن وزارة الداخليّة التي أصبحت مختصّة بالشؤون الأمنيّة، وإحداث وزارة للصناعة وأخرى للمناجم والطاقة، بعد أن كانت هذه القطاعات الثلاثة مجتمعة في وزارة واحدة، وكذلك إحداث وزارة للوظيفة العموميّة والحوكمة ومكافحة الفساد.

تجسيم الأولويات

ولاشكّ أنّ الحبيب الصيد يهدف من خلال مراجعة هيكلة الحكومة إلى تجسيم ما يعتبره أولويات المرحلة المقبلة، وفي مقدّمتها تعزيز القدرة على توفير الأمن ومجابهة ظاهرة الإرهاب من خلال اختصاص وزارة الداخليّة بالشأن الأمني الذي من المرجح أن يكون محلّ متابعة شخصية من رئيس الحكومة، خاصّة وأنّ المخاطر الأمنيّة التي تضررت منها كلّ القطاعات دون استثناء، ولاسيّما السياحة، تظلّ قائمة، ودرؤها شرط أساسي من شروط دفع الحركة الاقتصادية وتحسين بيئة الاستثمار.

كما أنّ من مؤشّرات التعديل الوزاري تجسيد ما اعتبر أحد رهانات المرحلة المقبلة، ونعني تطوير الحوكمة المحليّة من خلال إنشاء وزارة للشؤون المحليّة، يكون اهتمامها منصبّا في الأشهر القادمة على الإعداد للانتخابات البلديّة التي التزم الحبيب الصيد بإجرائها أواخر أكتوبر أو بداية نوفمبر من هذا العام ، علاوة على النهوض بعمل الجماعات المحليّة والمجالس الجهويّة الذي بات أمرا ملحّا.والغاية من إحداث هذه الوزارة، كما يبدو، إرساء نظام حوكمة محليّة يعطي وزنا أكبر للجهات والجماعات المحليّة. وليس من المستبعد أن يرجع الولاة بالنظر مباشرة إلى رئيس الحكومة الذي سيتولّى توجيههم وتقييم أدائهم.

كما بدا واضحا من خلال الفصل بين الصناعة من ناحية والطاقة والمناجم من ناحية أخرى السعي إلى مزيد الاهتمام بهذه القطاعات الاستراتيجيّة ورفع قدراتها الانتاجيّة ودعم دورها في تحقيق الانتعاشة الاقتصاديّة المنشودةومن خلال إحداث وزارة من مشمولاتها الحوكمة ومكافحة الفساد، أراد الحبيب الصيد توجيه رسالة تؤكّد حرصا على التصدّي لظاهرة تفاقمت في السنوات الأخيرة وأصبحت داء ينخر أجهزة الدولة والجسم الاجتماعي. وعهد بهذه الوزارة إلى السيد كمال العيّادي رئيس فرع المركز العالمي لمكافحة الفساد بشمال أفريقيا والشرق الأوسط. ولعلّ رئيس الحكومة أراد بتعيينه دعوة هذا الخبير إلى تطبيق رؤاه بشأن مقاومة هذه الظاهرة التي تكلّف تونس، حسب ما أكّده مرارا، خسارة بنقطتين في نسبة النموّ.

محاصصة حزبيّة وترضيات

وعلى الرغم من نزعة التجديد والتشبيب التي ميّزت التشكيلة الحكوميّة ،إذ انضمّ إليها أحد عشر وزيرا جديدا، فإنّ ما يسترعي الانتباه تقلّص حضور المرأة فيها التي مثّلت بثلاث نساء فقط.

ولم يخلو تشكيل الحكومة من منطق المحاصصة الحزبيّة ولا من بحث عن ترضية هذا الطرف أو ذاك ، وقد راعى الحبيب الصيد التوازنات داخل الإئتلاف الحاكم، فأسند تسع حقائب إلى حركة نداء تونس، وحقيبة رابعة إلى الاتحاد الوطني الحرّ (التجارة) وحقيبة ثانية لحركة النهضة (المناجم والطاقة) مقابل خروج كاتبتي دولة وكاتب الدولة نجم الدّين الحمروني من الحكومة، وهم ينتمون إلى هذه الحركة، علما بأنّ نجم الدّين الحمروني عيّن مستشارا لدى رئيس الحكومة مكلّفا باليقظة الكنولوجيّة والاستشراف، في حين حافظ حزب آفاق تونس على مناصبه الوزاريّة الثلاثة.

تحديات المرحلة القادمة

وغنيّ عن البيان أنّ الطابع السياسي الطاغي على التشكيلة الحكوميّة يحمّلها مسؤوليّة أكبر، مقارنة بسابقتها، إذ هي مطالبة بالتعامل بأكبر فعاليّة مع القضايا الوطنيّة المطروحة وبتنفيذ خارطة الطريق التي أعلنها رئيس الحكومة لمواجهة تحديات المرحلة القادمة. ومن أبرزها دعم الأجهزة الأمنيّة والعسكريّة وتعبئة كلّ الطاقات الوطنيّة  للاستمرار في خوض الحرب الشاملة على الإرهاب ودفع الاقتصاد وتحسين توازنات الماليّة العموميّة وإطلاق مخطّط التنمية وسنّ قانون الاستثمار الجديد وقانون الشراكة بين القطاعين العام والخاصّ ووضع القوانين المصادق عليها من قبل مجلس نوّاب الشعب موضع التنفيذ، علاوة على إنجاز الإصلاحات الكبرى وتركيز الهيئات الدستوريّة وتنظيم الانتخابات البلديّة ومعالجة المسائل الاجتماعيّة الحارقة ولا سيّما تنامي البطالة والفقر وتدهور القدرة الشرائيّة للمواطن.

هي بلا ريب تحديات جسام وعلى حكومة الحبيب الصيد الثانية العمل على مواجهتها بنجاعة واقتدار بما يشيع الأمل في النفوس ويساعد البلاد على تجاوز الأوضاع المتأزّمة التي تردّت فيها.

عبد الحفيظ الهرقام

هل أعجبك هذا المقال ؟ شارك مع أصدقائك ! شارك
أضف تعليق على هذا المقال
0 تعليق
X

Fly-out sidebar

This is an optional, fully widgetized sidebar. Show your latest posts, comments, etc. As is the rest of the menu, the sidebar too is fully color customizable.