شؤون وطنية - 2015.11.03

بين المصالحة و المحاسبة: المعادلة الصعبة

بين المصالحة و المحاسبة: المعادلة الصعبة

 يثير مشروع قانون المصالحة الاقتصادية جدلا كبيرا بين مساند ومعارض، إذ يتمسك المعارضون له بأنّ الدولة ملزمة بتطبيق منظومة العدالة الانتقالية في جميع المجالات،  فقد وضعت الفقرة التاسعة من الدستور على كاهل الدولة التزاما دستوريا يصنّفه البعض على أنّه التزام بتحقيق نتيجة، فليس لها حسب تصوّرهم الحقّ في التصرف في هذا الالتزام كما تشاء، كالتخلي عنه أو إحداث مسار مواز، فهي ملزمة بتطبيق آليات العدالة الانتقالية عبر دعم صلاحيات هيئة الحقيقة والكرامة، وإزالة العراقيل من طريقها.

نسي هؤلاء المعارضون أن هيئة الحقيقة الكرامة قد وقع تنظيمها بموجب قانون ، فليس هنالك مانع قانوني من سنّ تشريع جديد يمنح آليات المصالحة في خصوص الجرائم الإقتصادية والمالية لهيئة أخرى ، فالمشرع لم يمنح لهيئة الحقيقة و الكرامة اختصاصا حصريا ومطلقا في منظومة العدالة الانتقالية، فهي هيكل من الهياكل المنصوص عليها بالفصل السابع من قانون العدالة الانتقالية وبالإمكان إحداث آلية أخرى للمصالحة عن طريق قانون جديد يقع سنّه .

لماذا هذا القانون؟

بدأ التفكير في سنّ قانون للمصالحة الاقتصادية بعد أن تبيّن أنّ هنالك بطئا كبيرا في معالجة الملفّات المتعلّقة بالفساد المالي والاعتداء على المال العام ، و لا يمكن النظر في هذه الملفّات إلّا خلال سنوات عديدة وهو ما سيزيد الوضع الاقتصادي تأزّما، فتمّت استشارة عديد الخبراء في القانون الدستوري الذين أجمعوا على أنّ سنّ قانون جديد للمصالحة الاقتصادية لا يشكّل أيّ خرق لقواعد الدستور، لذلك بدأ التفكير منذ بداية الصائفة الماضية في إعداد مشروع لقانون المصالحة الإقتصادية ، فوقع التمييز بين الموظّفين العموميين و أشباههم الذين قاموا في الحقيقة بتنفيذ تعليمات مرؤوسيهم،  و بالتالي فإنّهم يتمتعون بقرينة البراءة التي جاء بها الفصل 42 من المجلة الجزائية.  وينصّ هذا على أنّه «لا مسؤولية لمن قام بتنفيذ تعليمات من السلطة التي لها النظر» فوقع إعفاؤهم من التّتبع ،  وبين مرتكبي انتهاكات الفساد المالي الذين منح لهم مشروع القانون الحق في إبرام صلح ، لكن من المؤكد أن النقاش الذي سيحصل بمجلس نواب الشعب سيؤدي إلى إصلاح بعض النقائص حتّى لا يتفصّى من المسؤولية الموظفون الذين تلقّوا رشاوى أو عطايا و ذلك للقيام بأعمال غير قانونية، فلا بد من التمييز بين الموظّف الذي قام بآداء وظيفة و نفّذ تعليمات السلطة الإداريّة التي هي أعلى منه، و بين الموظّف الذي قام بهذا العمل حتى يحصل على منفعة شخصية .

أما من ارتكب جرائم القتل والتعذيب والاغتصاب  ، فإن هؤلاء ليسوا معنيين من قريب أو بعيد بقانون المصالحة الاقتصادية ، بل إنّ هؤلاء ستكون ملفاتهم من مشمولات هيئة الحقيقة والكرامة.
اقتضى مشروع قانون المصالحة الإقتصادية امكانية اجراء رقابة قضائية لاحقة على أعمال لجنة المصالحة، وهو أمر لا يشكّل أيّ خرق لأحكام الدستور الذي منح لكلّ شخص حقّ الالتجاء للقضاء على درجتين.

المآخذ بشأن مشروع القانون

تراءى للبعض أنّ هذا المشروع هو متضارب مع احكام اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد المصادق عليها بموجب القانون عدد 16 المؤرخ في 29/02/2008 والرامية الى كشف الفساد وردعه، وأنّ هذه الإتفاقية لها علويّة على القانون الداخلي طبق الفصل 20 من الدستور، لكن غاب عن هؤلاء أنّ قانون المصالحة الاقتصادية سوف يضمن كشف حقيقة الفساد والضالعين فيه ، لكن مع إمكانية إجراء مصالحة يقع إجراؤها تماشيا مع الوضع الاقتصادي الخطير الذي تمرّ به البلاد، وقد سلكت دول قريبة مناّ كإيطاليا والمغرب مثل هذا الأسلوب حتّى تتمكّن من ضخّ جانب كبير من الأصول المالية في الدورة الاقتصادية، مقتصرة على توقيع عقوبات مالية على المخالفين تراوحت بين 10% و12% من قيمة هذه الأموال.

لقد راعت السلطة السياسية في تونس المآخذ التي تمسك بها البعض إزاء هذا المشروع  و بدأت تبحث من الآن عن تحديد قيمة الأموال التي كان مصدرها فاسد وذلك حتّى يكون الرأي العام خاصة على علم بأهميتها،  ويبدو أنّ اللجنة التي يجري التفكير في بعثها، والمتألفة من خبراء في الشؤون المالية والاقتصادية والمحاسبية على غرار السادة عزالدين سعيدان ومعز الجودي وشكري المامغلي وفيصل دربال وأحمد بالعيفة، سيكون بإمكانها تحديد قيمة الأموال الفاسدة،  وذلك عبر مراجعة حسابات البنوك العموميّة والإدارة العامة للقمارق ووزارة المالية وكذلك الأحكام القضائية المتعلقة بالتسويات القضائية والرضائية التي صدرت عن مختلف المحاكم، وهو ما قد يفسّر أسباب التأخير في عرض المشروع على مجلس نواب الشعب، إذ أنّه على أغلب الظن سوف لن يعرض هذا المشروع إلا في بداية السنة المقبلة وهي فرصة كافية لأعضاء اللجنة للوقوف على جوانب عديدة تخصّ التجاوزات التي حصلت .

في تحديد حجم الفساد

إن جزءا كبيرا من الفساد جاء من خلال طرح جبائي عن طريق أوامر رئاسية صدرت لفائدة أشخاص معنيين أو أحكام قضائية طرحت جزءا كبيرا من الديون دون وجه قانوني أو صفقات مشبوهة أو عمليات توريد تمت بطريقة  غير قانونية. ويمكن لهذه اللجنة أن تتوصل إلى إعداد تصوّر تقريبي لحجم الفساد المالي حتى تتمّ المصالحة على ضوئه، مع الإشارة إلى أنّ هذه التجاوزات تواصلت حتى بعد قيام الثورة. لكن الأمر وإن يبدو يسيرا بالنسبة إلى تحديد قيمة التجاوزات المالية، فانه يبدو صعبا للغاية في خصوص تحديد قيمة الأصول المالية بالخارج الراجعة للتونسيين المقيمين، خاصّة وانّ الكثير منهم قد عمدوا إلى بعث مشاريع اقتصادية خارج تونس، فأصبحوا يتمتعون عن طريق شركاتهم بوضعيّة المقيم بالخارج، وهو ما سيجعل الوضع معقّدا إلى درجة كبرى، ولا يمكن أن يضمن رجوع هذه الأموال لتونس إلاّ إذا حصلت مصالحة حقيقية وعادت الثقة في مؤسسات البلاد ورجع الاستثمار الى نسقه العادي، وهو أمر يحتاج إلى مجهود وطني سوف لن يعطي ثماره إلا بعد سنوات عديدة .

إنّ بعث اللجنة، التي يبدو أنّ رئيس الجمهورية استقبل مؤخرا أعضاءها المحتملين سيزيل احتراز العديد من المعارضين لهذا المشروع، الذين نادوا بضرورة المحاسبة قبل المصالحة، إذ ستتمكّن هذه اللجنة، إذا ما وقع بعثها نهائيا، من حصر قيمة الأموال المشبوهة في مدة زمنية قصيرة لا تتجاوز بضعة أشهر،  حتى لا تكون المصالحة مقامة على مجرد تصريح تلقائي من المعنيين بالأمر، بل نتيجة معطيات قريبة جدا من المعطيات الحقيقية التي تتوفّر لأعضاء اللجنة من خلال مراجعتهم للمنظومات الإعلامية لمختلف الإدارات المعنية .

فوائد المصالحة الاقتصادية

ويتوقّع بعض الأخصائيين في السوق المالية، أنّ هذه المصالحة الاقتصادية ستضمن مردودا ماليا لصندوق الدولة لا يقلّ عن المليار دينار ولا يزيد عن المليارين، مع الإشارة إلى أنّ قانون المصادرة قد وفّر وسيوفّر لخزينة الدولة حوالي تسعمائة مليون دينار، فتكون آليتا المصالحة والمصادرة قد أنعشتا صندوق الدولة بمبلغ يتراوح بين المليارين والثلاثة مليارات من الدنانير، يكون من المفروض تخصيصها للاستثمار الداخلي وليس للتصرف.  ولا جدال في أنّ هذا القانون قد حصل انقسام كبير في شأنه بين مختلف العائلات السياسية وهذا الانقسام نلمسه من خلال التعبئة التي تقوم بها بعض الأحزاب والتيارات السياسية، لكنّ فوائده تبدو أهمّ بكثير من مساوئه، لأنه سيمكن من ضخّ أموال هامّة بخزينة الدولة هي في اشد الحاجة إليها. كما سيمكن من  إجراء مصالحة مع جزء كبير من رجال الأعمال، الذين من دونهم سوف لن يقدر الاقتصاد الوطني على الإقلاع من جديد.

نعتقد أنّه ليس من خيار إلاّ الحلول المؤلمة لإنهاء بعض المشاكل المعقّدة، والشعوب التي تتجاوز خلافاتها، وتنزع الأحقاد من بين مواطنيها، وتفتح أبواب الأمل للجميع، هي التي يكون النجاح حليفها في نهاية المطاف، كما أكّدته تجارب العديد من البلدان الأخرى التي مرّت بظروف شبيهة بالظروف التي نعيشها.

عادل كعنيش
 

هل أعجبك هذا المقال ؟ شارك مع أصدقائك ! شارك
أضف تعليق على هذا المقال
0 تعليق
X

Fly-out sidebar

This is an optional, fully widgetized sidebar. Show your latest posts, comments, etc. As is the rest of the menu, the sidebar too is fully color customizable.