شؤون وطنية - 2015.10.13

الشاذلي القليبي:هؤلاء عرفتهم

الشاذلي القليبي:هؤلاء عرفتهم

الملك فيصل بن عبد العزيز

لم أقابله شخصيّا على انفراد عندما جاء إلى تونس في زيارة رسميّة إذ حضرت بعض المقابلات، واستمعت إليه في خطابه أمام مجلس الأمّة آنذاك. ولكنني حظيت بمقابلته في المملكة العربيّة السعودية إذ استقبلني في جدّة بعد زيارته لتونس بأشهر.
بدأت الحديث معه إذّاك بالقول: «إنّْكم حقّقتم يا جلالة الملك انجازا عظيما ألا وهو انشاء أوّل مدرسة لتعليم البنات. ولو حصل ذلك في بلد آخر في المنطقة لسلطّت عليه الأضواء »

. فكان جوابه حكيما: «بارك اللّه فيك لأنّك أتحت لي الفرصة للحديث عن أمر هامّ. ذلك أ نّ لو أحطت الأمر بدعاية كبيرة لكان في ذلك استفزاز لمعارضي المشروع وإعطاء الفرصة للتّصدّي له .» فتلك عيّنة من حكمته، إذ كانت لجلالته دوما استراتيجيّة في أعماله وقراراته. وكان مفكّرا. وقد ورث عنه ابنه سموّ الأمير سعود الفيصل هذه الخصال، وكان من أكثر وزراء الخارجية العرب تألّقا، لا وسامة فقط، وانما أيضا رجاحة عقل وفصاحة لسان.

 حافظ الأسد

 

لم أر، بدون منازع، شخصية رسمية في مستواه، من حيث شمولية نظره لتاريخ الأمّة، لأنه يعرفه بدقّة ويتابع ما ينشر عن الحضارة العربية، ويعتبر أنّ العرب لن تقوم لهم قائمة إذا لم تجتمع كلمتهم وتتوحّد جهودهم.
كنت أجلس معه لساعات طوال تمتدّ إلى ساعتين أو ثلاثة، وآخر لقاء دام أربع ساعات، ولا يُملّ حديثه.

  

الملك حسين والملك الحسن الثاني

لهما مستوى عال  الملك حسين بثقافته الانڤليزية والملك الحسن الثاني، بثقافته الفرنسية. كنا نتحادث بعمق ونحلّل القضايا بإمعان وكنّا على اتّفاق في الرؤى والمواقف
الملك الحسن الثاني، زار تونس وهو وليّ عهد لوالده محمّد الخامس. وكنت آنذاك وزيرا للثّقافة، فكلّفني الرئيس بورڤيبة بمرافقته. فقضّيت رفقته ثلاثة أياّم تعرّفت خلالها على ملامح شخصيّته. وكان قد فاجأني وهو يزور جامع الزيتونة المعمور، عندما استقبله فضيلة الشيخ الفاضل ابن عاشور بحفاوته الفائقة وإلقائه لكلمة ترحيبيّة بفصاحته المعهودة.

  

 

ظننت أن الأمير الشاب سيكتفي بكلمات بروتوكولية مقتضبة، ولكنّنا فوجئنا به خطيبا مفوّها. ومنذ ذلك الوقت نشأت بيننا علاقة قويّة. ولمّا رُشّحت لمنصب الأمانة العامة لجامعة الدول العربية، أوفد الرئيس بورڤيبة الأستاذ فؤاد المبزّع إلى المغرب لطلب تأييد الملك الحسن الثاني، فجاء جوابه مؤثّرا: «هذا ليس مرشّحكم وحدكم، هو مرشّح المغرب أيضا.

 

 جمال عبد الناصر

الخلاف بينه وبين بورڤيبة مسكوت عنه لفترة طويلة، وكان بورڤيبة مستاء من خطب عبد الناصر، التي يخاطب فيها الشّعوب العربيّة من فوق رؤوس قادتها. ولمّا استجاب لدعوته لزيارة مصر، حرص عبد الناصر على إحاطته بكلّ مظاهر الحفاوة، لاسترضائه وجلبه إلى صفّه. ولقد كان لهما بهذه المناسبة لقاء مغلق لم أحضره ولكن بورڤيبة روى لي في ما بعد تفاصيله.
 
بورڤيبة : إسرائيل تستمدّ قوّتها ليس فقط من شعبها ولكن من كلّ العالم، أوروبّا وأمريكا وحتى الإتّحاد السوفياتي الذي صوّت لفائدتها فكيف يمكن أن نتغلّب عليها. من الضّروري أن نجد طريقة أخرى.

 
عبد النّاصر: هذا صحيح ولكن من يقدر على مصارحة شعوبنا بهذه الحقائق، فهي لن تفهم هذا الرأي.
 
بورڤيبة: إذا أكدّت لي بأنّك لن تفتح عليّ أبواق الإعلام المصري، فإنّني على استعداد للإصداع بهذه الحقائق. 

وعندها تبسّم عبد الناصر ولم يردّ لا بالإيجاب ولا بالنّفي.

 

وبعد المقابلة جاء السفير التونسي السّيد محمّد بدرة ليسرّ إليه بأنّ عبد الناصر يدعوه لقطع العلاقات الديبلوماسية مع ألمانيا الفيديرالية بسبب مساندتها لإسرائيل. فاستغرب بورڤيبة الأمر وأجابه: «طيلة ثلاثة أيام كنت معه ولم يذكر لي الموضوع. كان يمكن أن نتناقش في الأمر ونجد حلاّ، هل يحسبني واليا عنده حتّى أتلقّى منه الأوامر. إجابتي له هي لا طبعا الآذان السّامعة التقطت هذا الحديث، ونقلته إلى عبد الناصر مباشرة ومن وقتها تعكّرت الأجواء.
ويواصل بورڤيبة ما رواه لي : انتقلت إلى الأردن والتقيت في أريحا بالفلسطينيين الذين خصّوني بحفاوة كبيرة مؤكّدين لي ثقتهم فيّ وقائلين لي بالحرف الواحد «أنت القادر على ايجاد الحلّ »، فتأثّرت كثيرا وصارحتهم بفكرتي. عبد الناصر اغتنم هذه الفرصة وأطلق العنان لأبواق الدعاية ضدّي وحصل ما حصل.

صدام حسين

لا أجيبكم مباشرة ولكنّي سأنقل إليكم رأي بورقيبة وأنا أشاطره في ذلك. صدام حسين وآخرون ليس لهم تكوين ثقافي وفكري. والسياسة بدونهما لا تنفع. إذن لا يمكن لمن يأتي فقط من صفّ الكفاح الوطني، أو حزب عقائدي، قيادة الأمّة واستشراف المستقبل  صدّام حسين ارتكب أخطاء قاتلة

أوّلها دخوله في حرب مع إيران التي كانت في أوج ثورتها، والكلّ يعلم أنّه لا تشنّ الحروب ضدّ الثورات. هذه الحرب دامت ثماني سنوات ولم تخرج منها العراق إلا بإعانة الدول العربية وخاصّة منها الكويت ودعمها. فكيف كافأ صدّام الكويت؟ باجتياح بلاد الشّيخ جابر أمير البلاد والشّيخ صباح الأحمد وزير الخارجيّة اللذين كانا من أكبر المدافعين عنه في حربه ضدّ إيران فوجدا نفسيهما أولّ ضحاياه.
لم يدرك صدّام أنّ الكويت لا يمكن مسّه بسوء ولا يمكن للعالم والدول الكبرى أن تقف مكتوفة الأيدي أمام اجتياحه.

.

 

معمّر القذّافي

أوّل لقائي بمعمّر القذّافي كان في بداية ثورة الفاتح، كنت وقتها في زيارة لليبيا وأنا وزير للثقافة. ودعاني زميلي لمقابلة العقيد. خرجنا بالسّيارة من العاصمة إلى أن وصلنا إلى ربوة نُصبت فوقها خيمة كبيرة حيث كان ينتظرنا كان آنذاك شابا، وخصّني باستقبال حارّ. وبادرني بقوله «إ نّ أعرفك إذ كنت استمع إلى خطبك في الإذاعة التّونسيّة، معجبا بما تقوله. ثمّ قابلته وأنا أمين عام لجامعة الدول العربية فوجدت أن الرّجل قد تغيّ: الشّاب الذي لم يكن واثقا من نفسه ومتمكّنا من الأمور أصبح على عنجهيّة وخيلاء.

آخر لقاء لي به كان بعد تحرير الكويت في اجتماع، على هامش القمّة العربية في القاهرة، ضمّ عددا من الرؤساء العرب وتحدّث العديدون ولكنّ القذّافي اكتفى بالصّمت إلى أن رفع الرئيس حسني مبارك الجلسة.

وبينما كنت أغادر القاعة وجدت القذّافي ينتظرني في خارجها ليقول لي أمام الملأ: «لماذا لم تعطني الكلمة لقد طلبتها منك وبقيت انتظر ». طبعا فهمت مقصده ولكنّي انصرفت إلى غرفتي. وبعد مدّة قليلة جاء وفد من وزرائه يطلب مقابلتي قائلا: نطلب الاعتذار لأنّ العقيد كان منفعلا ولم يقصد الإساءة إليك. طبعا فهمت أنّ القمّة كانت سائرة إلى تقسيم الصف العربي بين مؤيد لموقف مصر ومعارض، وفوجئت بأنّ حتّى الرئيس السوري حافظ الأسد قد ساند مصر وكأنّه دفع بذلك ثمن النّجاة من ردّة فعل الولايات المتحدة. إذ قد يكون حصل على معلومات مفادها أن الرئيس بوش يتأهّب للهجوم على سوريا...
بعد استقالتي من الأمانة العامة لجامعة الدول العربية تلقيت عديد الدعوات من مختلف الجهات لزيارة ليبيا ولكني اعتذرت عن تلبيتها.

 

فرانسوا ميتران وهلموت شميدت

 

من بين الرؤساء والملوك غير العرب والمسلمين، اعتقد انهما كانا من ألمع من عرفت الرئيس فرنسوا ميتران هو من صنف رفيع وراقٍ. رجل سياسة بإمتياز، تمرّس عليها وكان يحظى بزاد ثقافي غزير وينظر إلى المستقبل بعمق.

 

 

 

 

أما رئيس الحكومة الألمانية هلموت شميدت فلقد قابلته في مدينة هامبورغ اذ استقبلني في بيته وقال لي آنذاك، وهو ما أكشفه اليوم إلى «ليدرز العربية » لأوّل مرّة «إذا ضمن العرب تزويدنا بالبترول بصفة منتظمة دون انقطاع، فإنّه بإمكانهم الإعتماد علينا ». ويعني ذلك الحصول على مساندة ألمانيا.

 

 

طارق عزيز

كان على مستوى عال، ومفكّرا قادرا على إيجاد الحلول وعندما يطلب الكلمة كنت متأكّدا بأنّ كلامه سيكون مقبول كثيرا ما كنت أتحدّث إليه وكنّا نتكلّم كلاما مشفّرا أحيانا، وأعرف أنّه كان يوافقني في مواقفي، ولكنّه كان يدرك جيّدا أنّه لو خرج عن ولائه لصدّام فإنّه سيُقتل حتما. كما كان يخشى على مصير المسيحيين في العراق.

 

 

 

 يوسف بن علوي

 

أحمل عنه ذكريات طيّبة جدّا لكفاءته العالية واقتداره، وكان من الثائرين ضد السلطان قابوس الذي استجلبه وعرف كيف يستدرجه للعمل إلى جانبه، وهو باق إلى الآن في منصبه منذ حوالي 18 عاما.

 

 

 

قراءة المزيد

الشاذلي القليبي: مسيرة في سطور
الشاذلي القليبي: خفايا وأسرار يكشفها لأوّل مرّة
الشاذلي القليبي: وقضايا حضارية وسياسية
الشاذلي القليبي:هؤلاء عرفتهم
الشاذلي القليبي :كنت سأتخرّج طبيبا
الشاذلي القليبي: كيف أصبحت مديرا للإذاعة
الشاذلي القليبي...و كتاب جديد

 

 

 

هل أعجبك هذا المقال ؟ شارك مع أصدقائك ! شارك
أضف تعليق على هذا المقال
0 تعليق
X

Fly-out sidebar

This is an optional, fully widgetized sidebar. Show your latest posts, comments, etc. As is the rest of the menu, the sidebar too is fully color customizable.